الحزب الديمقراطي الأحوازي

الديمقراطية هي الممارسة السليمة للتحرر الفكري

إيّاك تجني سكرًا من حنظل  فالشيء يرجع بالمذاق لأصله
الامام الشافعي

يقول بيان حكومة المؤتمر حرفيا ما يلي : ( إن المؤتمر القومي العربي، وعياً منه لهذه المخاطر، يؤكّد مسؤوليته في بناء الوحدات الوطنية من جهة وفي بناء الكتّلة التاريخية المتشكّلة من مكونات الأمّة كافة، ضماناً للوحدة القومية وإلحاقاً نهائياً للهزيمة بكل المشاريع التفتيتية المعدة للأقطار وللأمّة ودعماً للمقاومة في فلسطين ولبنان ولسائر قوى محور المقاومة والممانعة صدّاً لأي اعتداء خارجي على أي قطر عربي. ) . بعد ممارسة حكومة المؤتمر سحر تحويل ميزة ايجابية وتاريخية لطرف ما الى طرف اخر لا صلة له بها ، وهو ما وضحناه في الجزء السابق يأتي الان دور التناقض الصارخ في مواقف تلك الحكومة التي لم تهتم حتى بأخفاءه

من بديهيات تحقيق الوحدة او  التوحد الالتزام بقاعدة لاغنى عنها وهي احترام كافة الاراء وتمثيل كافة الاطراف الوطنية ، والا كيف يمكن تحقيق الوحدة والتضامن اذا تعمد احد الاطراف اغفال دور اخرين او لم يعترف بدورهم وبانجازاتهم ؟  ان هذه الفقرة من البيان تكشف عن تناقض من المستحيل اخفاءه ، فحكومة المؤتمر القومي ترفض بأصرار كامل ووعي اكمل تحديد طبيعة الدور الايراني في العراق وسوريا وغيرهما كما هو حتى ولو بالوصف وليس بالتقييم ! وهذا الرفض يقابله طلبات متكررة من اعضاء المؤتمر بادانة مواقف ايران خصوصا في العراق والان في سوريا فبرز تناقض حاد بين موفقين من المستحيل ردم الفجوة الكبيرة بينهما الا باحترام قاعدة التوافق في جماعة تمثل تيارات مختلفة . وقد اثار ذلك ومع كل دورة له الخلافات حول هذا الموضوع الكبير لان اكثر القوى الوطنية العربية تدين الدور الايراني لذلك فان اغفال هذا الدور التأمري والخطير لايران يسبب مشاكل ويعمق الخلافات ويديمها بدل حلها فيصبح التوحد مستبعدا جدا

هل حقا ان حكومة هذا المؤتمر تريد توحيد الصفوف خدمة للقضايا القومية كما تدعي ؟ ام انها اصبحت مصدرا مهما من مصادر الشرذمة بين مكونات التيار القومي العربي عبر الاصرار على التنكيل بتيارات قومية اصيلة ورئيسة ؟ نؤكد بضمير مرتاح بعد تجارب مريرة لمدة عشر سنوات بأن مواقف حكومة هذالمؤتمر اصبحت عامل فرقة وانشقاقات بين مثقفين عرب ينتمون الى التيار القومي العربي بدلا توحدهم وتقاربهم والوصول الى قواسم مشتركة فيما بينهم .

وخطورة هذه الممارسة التقسيمية تكمن في طبيعة تحديات المرحلة الحالية فهي مرحلة صراع وجود بالنسبة لاغلب الاقطار العربية  لان هناك مخططا صهيونيا امريكيا ايرانيا مشتركا ينفذ لتقسيم الاقطار العربية على اسس عرقية وطائفية وهو ما تعترف به حكومة المؤتمر لكنها تظن انها سوف تضلل الجميع وتقنعهم بان ذلك المخطط اسرائيلي امريكي فقط وتبرأ ايران منه بقوة واصرار رغم ان كل الشواهد في العراق وغيره تؤكد ان ايران وليس غيرها هي الطرف الاكثر نجاحا في تنفيذ الجزء المتعلق باشعال فتن طائفية

لنناقش ماورد في الفقرة من انحرافات جوهرية وتزوير واضح :
1 – المؤتمر يدعم المقاومة ولكن اي مقاومة يقصد  ؟ هنا نواجه التناقض الاخر اذ يرد البيان ( في فلسطين ولبنان ولسائر قوى محور المقاومة والممانعة ) ! الفقرات واضحة ولا تحتاج لايضاح وابرز ما فيها ظاهرتان الاولى استبعاد المقاومة العراقية من قائمة المقاومين مع انها المقاومة الام والاقدر والتي الحقت الهزيمة بامريكا حاميةاسرائيل ، والثانية هي الكليشة التي تستعملها كافة الانظمة المفرطة بالمصالح القومية العربية وفي مقدمتها حكومة المؤتمر القومي ، وهي استخدام اسم فلسطين ومقاومتها لامرار مختلف اشكال التأمر على فلسطين وكافة الاقطار العربية ! بينما يذكر البيان ( مقاومة ) فلسطين ولبنان و ( محور المقاومة والممانعة ) يتجاهل المقاومة العراقية وكأنها غير موجودة مع انها تملء حاضر العراق خصوصا في هذه اللحظات التاريخية

لنرى التأمر والتضليل في هذا النص بحجمهما الكامل  علينا ان نتساءل : من هو هذا المحور ومم يتشكل ؟ وهل حقا ان اطرافه يقاومون ؟ وما هي نوعية ودرجة مقاومتهم ؟ وهل الاصرار على تجاهل المقاومة العراقية محصور زمنيا بانسحاب القوات الامريكية مما خلق فرصة للقول انها انتهت وان تجاهلها امر طبيعي ؟ بل الاخطر هو قول ( الحكومة المصغرة ) التي تمثل العقل التأمري الشعوبي للمؤتمر ان لا مقاومة في العراق الان

دعونا نبدد وهما واضحا قد يتكون لدى البعض وهو ان هذا الانكار للمقاومة العراقية حصل فقط بعد انسحاب القوات الامريكية ، ولكن الواقع يقول غير ذلك ففي كافة الدورات كان هناك اصرار على تجنب التطرق للدور الايراني في غزو العراق وفي محاربة المقاومة العراقية وفي الحاق الدمار بالعراق وتهديد هويته القومية . بل ان الامر انسحب حتى على مؤتمرات دعم المقاومة العراقية ففي عام 2009 عقد مؤتمر دعم المقاومة في دمشق منع فيه ممثل المقاومة العراقية من القاء كلمته بينما القيت كلمة ايران فيه ، وهذا حصل في مؤتمر اخر في لبنان حيث القى نائب رئيس جمهورية ايران كلمة فيه بينما منع ممثل المقاومة العراقية من القاء كلمته لذلك انسحب احتجاجا وادانة لهذا المسلك الشائن ، ومن قام به اعضاء في حكومة المؤتمر بالتعاون مع مخابرات النظام السوري وحزب الله ، رغم ان المقاومة العراقية كانت تخوض اشرس عملياتها الجهادية ضد القوات الامريكية

هذه الواقعة هي التي دفعتني الى كتابة رسالة مفتوحة للرئيس بشار الاسد تحت عنوان ( رسالة مفتوحة للرئيس  الاسد حول الموقف من المقاومة العراقية ) نشرت بتاريخ 11/تشرين الاول / 2009 ويمكن لمن يريد الاطلاع عليها وضع عنوانها في غوغل وسيجدها هناك ، نلفت فيها نظره الى هذه الظاهرة وندعوه للتدخل لتصحيح ذلك ( الخطأ الكبير ) ! اذن المسألة لا صلة لها بما تروجه عناصر الحكومة المصغرة داخل حكومة المؤتمر القومي من ان ما يجري في العراق لم يعد مقاومة لذلك تجاهل بيان المؤتمر وجود المقاومة العراقية ! كما انه وصف الصراع في العراق بانه صراع بين قوى وطنية ودعا البيان بكل صراحة للمصالحة بينها معتبرا المالكي وامثاله من عملاء ايران واعمدة الاحتلال وطنيين

هل حقا ان هناك مقاومة في لبنان ؟ وهل ايران ونظام بشار نظام مقاومة وممانعة ؟ وهل ممارسة حزب الله  الدموية عندما احتل بيروت كأي غاز قاس في صيف عام 2008 كانت مقاومة ؟ وهل قتاله في سوريا ضد الشعب السوري مقاومة حقا ؟ ام انها اخرجته نهائيا من نطاق المقاومة ومعاييرها المعروفة حتى للطفل الغر ؟

ان ابرز ما يجب تذكره حقيقة ساطعة وهي ان حزب الله ، وهو المقصود بفقرة دعم المقاومة اللبنانية في البيان ، لم يقم بعملية واحدة ولم يطلق رصاصة واحدة على اسرائيل منذ انتهاء حرب عام 2006 ، مع ان جزء من الاراضي اللبنانية مازال محتلا من قبل القوات الاسرائيلية ! هذه الواقعة الميدانية تفرض السؤال التالي : لم توقف حزب الله عن مقاتلة الاحتلال الاسرائيلي في لبنان وحول سلاحة الجبار الى داخل لبنان والان زجه في معارك دموية مع الشعب السوري ؟ هل التوقف المفترض للمقاومة العراقية عن العمليات العسكرية سبب مقبول للتخلي عن دعمها لكن توقف حزب الله كليا عنها يبقيه متمتعا بدعم حكومة المؤتمر المطلق ؟ الا يشكل هذا التمييز بين مقاومة عراقية كان لها الفضل في تحقيق افضل واخطر الانجازات الستراتيجية العربية في العصر  الحديث ، وهو الحاق الهزيمة بامريكا في العراق ، ومع ذلك تهمل ، وبين مقاومة لبنانية توقفت ولم يعد احد يسمع اي طلقة منها باتجاه اسرائيل ؟ ما الفرق اذا كان المعيار هو وجود او عدم وجود عمليات ؟ اليس ذلك تناقضا مبتذلا ؟ نعم هناك فترات تأتي تقل فيها عمليات المقاومة في مكان ما او تتوقف ولكن مؤقتا نتيجة تبدلات طارئة ، تجري خلالها عمليات اعادة تقييم ، ولكن لم تمنح مقاومة حزب الله شرف الاستمرارية مع انها توقفت وتحجب عن المقاومة العراقية مع انها مازالت مستمرة وتقاتل ميدانيا ؟

نأتي الان الى الواقع العراقي ونتساءل هل حقا توقفت المقاومة العراقية بعد الانسحاب الامريكي ؟ الجواب كلا ، تغير عدو الواجهة في جبهة الصدام ولكن المواجهة العسكرية مازالت مستمرة بين نفس المقاومة التي هزمت امريكا وبين وريث امريكا الذي تسلم العراق من امريكا في اطار صفقة معروفة ، والوريث هو ايران التي تقاتل بوجوه بعضها عراقية وبعضها فارسية الاصل والجنسية حتى الان ، ولكي نثبت ان المقاومة العراقية مازالت تقاتل لتأتي الحكومة المصغرة الى العراق لترى ما يحصل وتعرف من يقاتل عملاء الاحتلال الايراني المدعوم امريكيا  كما ان بيانات الفصائل تصدر والكثير منها مصورة تؤكد استمرارها .

هنا نصل الى سؤال يمس ( قدس اقداس ) حكومة المؤتمر وهي ايران : هل نقاوم احتلالا امريكيا ولكننا نساوم ونستسلم لاحتلال ايراني ؟ هل يوجد احتلال ايجابي واحتلال سلبي ؟ ماذا نسمي اولئك الذين ينكرون ان ايران هي الشريك الاخطر لامريكا في غزو وتدمير العراق وتنفيذ خطة محو هويته العربية وفقا لمخطط جهنمي صهيوني ؟ دون ادنى شك توجد تسمية مناسبة لهم ، ولكن علينا ترك القارئ يقدرها بنفسه ودعونا نذكّر بحقيقة تغمض حكومة المؤتمر كافة اعينها عن رؤيتها وهي ان ثمة خطة تهجير منظم للسكان العرب وجلب سكان اجانب واسكانهم محلهم ومنحهم الجنسية العراقية ، ففي اثناء وجود امريكا في واجهة الاحتلال شجعت ايران على جلب اكثر من اربعة ملايين غير عراقي الى العراق ومنح منهم اكثر من مليونين ونصف المليون الجنسية العراقية كما اعترف ابراهيم الجعفري حينما كان رئيسا للوزراء ، وبالمقابل فان حوالي سبعة ملايين عراقي عربي من السنة والشيعة هجروا من وطنهم وديارهم بالقوة المفرطة بعد عمليات قتل على الهوية من اجل تغيير الطابع السكاني للعراق ، اليست تلك العملية هي استنساخ للتجربة الصهيونية في فلسطين ؟ وجريمة بهذا الحجم الا تستحق من مؤتمر يسمي نفسه ب( المؤتمر القومي العربي ) ان يدينها ويهتم بها ويسلط الاضواء عليها اذا كان قوميا عربيا حقا ويدافع عن عروبة فلسطين ؟

ان عروبة فلسطين لا تصبح عروبة حقا ولا تستحق الدفاع عنها الا بترابطها مع عروبة باقي الاقطار العربية في تلاحم عضوي يجسد وحدة الانتماء القومي العربي . اليست تلك ابجديات القومية العربية يا فلاسفة ( الكتلة التاريخية ) ؟ لم تناسيتم ذلك ؟

ومما يثير العجب حول دوافع حكومة المؤتمر هو ان ايران لم تعد تخفي مطامعها في العراق وغيره واصبحت تصريحات قادة ايران وقحة ومتحدية في تكرار ان لها الحق ب ( استعادة اراض ايرانية كانت تحت سلطتها ) في العراق وغيره ! وما جرى ويجري في سوريا الان انموذج يسقط كل الاوهام الخاصة بدور ايران وحزب الله ، الان هناك غزو رسمي لسوريا من قبل ايران وخيول طروادتها من عرب الجنسية او ذوي الاصول الايرانية وتحت غطاء طائفي واضح ، فبعد عجز الجيش النظامي عن مواصلة القتال نتيجة التفوق الساحق للمعارضة السورية تدخلت ايران بكل ثقلها ونقلت الصراع في سوريا الى مرحلة الطائفية العلنية ، وما شعارات ( حماية مرقد السيدة زينب ) ورفع اعلام ذات صبغة طائفية في القصير وغيرها الا امثلة تحسم الامر وتؤكد بان غزوات ايران وان تبرقعت بالطائفية الا انها غزوات استعمارية لا تختلف عن غزوات اسرائيل او امريكا

كما اشرنا فان المؤتمر اصدر بيانه هذا في تزامن مدهش مع نجاح ايران وليس النظام السوري في استعادة القصير ، ومع ذلك ورغم كل هذه المؤشرات الدامغة فان المؤتمر مازال يدعم ايران وممانعتها ! فما معنى ونتائج هذا الموقف اللاقومي والخادم للشعوبية الجديدة التي يمثل حسن نصرالله رأس حربتها ؟

n

هل يحكم سوريا أكلة لحوم البشر؟!

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برر وحذر قائلا: لا يمكنكم دعم أناس يأكلون أعضاء البشر. قالها يريد تخويف الغرب، الخائف أصلا أن تتكرر مأساة إيران، حيث خلف الشاه السيئ نظام أسوأ، عدائي وحشي دموي، وحل محل العدو السوفياتي في أفغانستان أشرار «القاعدة».

سوريا المستقبل مهددة بمشكلتين، بعض الثوار في الداخل والمعارضة السياسية في الخارج. توجد جماعات مسلحة خارج سيطرة الجيش الحر، نجح نظام الأسد في الترويج لها لتخويف العالم منها، وهناك المعارضون الذين يشكلون القيادة السياسية والذين فشلوا في إثبات أنهم بديل أفضل من بشار الأسد. والذي يقلق العرب والغرب معا، ليس أكلة لحوم البشر بل المدنيون من لابسي ربطات العنق من المعارضة في إسطنبول وغيرها!

ربما الغرب يبحث عن عذر للتقاعس، لكن بالفعل توجد مشكلة خطيرة حيث لا قيادة سياسية حكيمة وموحدة بعد. يتساءلون: من سيحكم سوريا غدا، ثوار متوحشون وسياسيون جشعون؟!

الإخوان المسلمون، وبقية المعارضة في الائتلاف وخارجه، يتحملون مسؤولية كبيرة في الفشل حتى اليوم، وهم مسؤولون عن فشل الثورة غدا. من دون اتفاقهم، ووحدتهم، لن يوجد تأييد دولي، ومن دون تأييد دولي لن تكون هناك سوريا جديدة حتى لو انهار نظام الأسد. لهذا نرجو أن يعوا المسؤولية الخطيرة التي على عاتقهم اليوم.

ليس مستنكرا، ولا غريبا، أن تكون المعارضة مختلفة ومتنافسة لولا أن القضية السورية أخطر كثيرا من أن يتركوها من دون اتفاق على مبادئ الحكم والتوافق عليها. لقد تعرفت على المعارضة العراقية في المنفى منذ مطلع التسعينات، وإلى عشر سنوات تلتها، كانت نموذجا بائسا للبديل المحتمل لنظام صدام حسين. كانت خليطا من أبناء الذوات وأبناء العامة، وحملة الدكتوراه ولابسي العمائم، من كل الطوائف والأنحاء. الخليط يوحي إيجابا بالعراق كله إنما الصراعات بينهم كانت تشي بمستقبل مظلم. وجاءت الصدمة الأولى عندما عاد من لندن السيد عبد المجيد الخوئي في الأيام الأولى لسقوط النظام إلى النجف، هناك قتل أبشع قتلة، ليس من قبل نظام صدام المترنح، ولا من الفوضى، بل قتله منافسوه. ولولا أن اللاعب الرئيس في الساحة كان الجانب الأميركي لانتهت غالبية رموز المعارضة مقتولة على أيدي بعضها.

لهذا نتساءل هل المعارضة السورية أسوأ أم أفضل حالا من مثيلتها العراقية؟

تشبهها في نواح كثيرة إلا أن السوريين مسؤوليتهم كبيرة، حيث لا توجد قوة عظمى مستعدة لإطعامهم، وحمايتهم، وخلق مجلس حكم أولي لهم، وكتابة دستورهم، وتنظيم استفتاء عليه، وحراسة أجوائهم، وتأمين حدودهم من اللصوص والمتآمرين، وخلق مؤسسات للحكم، وتنظيم انتخابات برلمانية، والدفاع عنهم في مجلس الأمن، ومنحهم الشرعية الدولية، ومقاتلة خصومهم نيابة عنهم.

كل هذا لن يتاح للمعارضة السورية وبالتالي فمسؤوليتهم أعظم من تلك التي تحملتها المعارضة العراقية. والمؤشرات التي أمامنا تقول إن المستقبل صعب، فالمعارضة تعجز عن ائتلاف بسيط يستوعب الجميع، يمكن أن يكون تمرينا جيدا للمستقبل القريب عندما ينتقلون للعمل في منطقة الحكم في دمشق، ليست المنطقة الخضراء بالتأكيد.

مهمة الائتلاف والحكومة الآن ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة، عليهم أن يقبلوا بمبدأ التمثيل والمشاركة والانتخاب. ومن لا يأتيه الدور ويشارك في الحكم اليوم غالبا سيحكم في يوم ما لاحقا. عليهم أن يقبلوا بمبدأ تداول السلطة سلميا، بدستور يحمي الجميع، وتحديدا الأضعف في المجتمع كالأقليات، يمنحهم حقوقا متساوية، ويكفل الحريات، وله مرجعية تفسيرية عند الاختلاف.

هكذا يمكن أن تكون سوريا جديدة مستقرة لمائة سنة مقبلة. لكن نزاعات إسطنبول تقلقنا جميعا لأنها تخون الشعب السوري، الذي يضحي بأولاده وليس بأولاد الأميركيين، أو أولاد غيرهم، ويطمح للتخلص من نظام جلس على صدره. من دون تمثيل الجميع في الائتلاف، البرلمان المصغر، ومن دون مشاركة الجميع في حكومة المنفى، فإن أحدا منهم لن يجد حكما ولا برلمانا ولا بلدا. المعارضة بسلوك أفضل ستكسب جميع السوريين وتأييدهم، ودعم دول العالم، واحترام الجميع. بها يمكن أن تكون هناك سوريا جديدة من أول يوم يرحل فيه بشار.

ولن يغفر لهم أهلهم السوريون، إن راحت دماء فلذات أكبادهم، نتيجة تناحرهم وأنانيتهم. قد يقول البعض إنه من المبكر إلقاء هذه العظة والأسد جالس في قصره يخطط لخوض انتخابات العام المقبل. الهدف ليس سوريا ما بعد الأسد، بل قبلها. الآن، حيث صارت أكثر حكومات العالم تشكك وتشتكي، خائفة من الفراغ الذي سيخلفه إسقاط النظام.

 ا.د. عبد الكاظم العبودي

قبل اسبوعين كنت قد وجهت رسالة هذه الى بعض الاخوة من اعضاء المؤتمر القومي العربي  وامانته العامة من دون الاقدام على نشرها بأمل التبليغ المسبق والتعبير عن مخاوف حدوث كارثة قومية متوقعة  كانت ولا زالت تحيط بمسار المؤتمر القومي العربي وانحرافاته في السنوات الأخيرة وأخيرا تكرس الحدس بشكل مبين خلال دورة انعقاده الأخيرة في القاهرة التي انتظمت في أجواء ومنعطفات تشير بشكل جلي ونهائي الى حالة أسره الكلي من قبل ايران وأتباعها وقد حدث المتوقع والمحذور منه، لذا لا بد من نشر تلك الرسالة التي لم ننشرها قبل اسبوعين وهي كالتالي.
منذ ان انعقدت في صنعاء يومي 26 و 27 كانون الثاني/يناير 2013، دورة الاجتماعات العادية للأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي، بحضور اعضاء الامانة العامة من اغلب الدول العربية ماعدا العراق، لعدم الاشارة الى ذكر حضور الدكتور خضير المرشدي عضو الامانة العامة لاسباب نجهلها، يزداد القلق من تراجع الاهتمام بالقضية العراقية رغم أهميتها وراهنيتها، حيث جرى خلال تلك الاجتماعات النقاش في مختلف القضايا الراهنة ومنها جرى التطرق الى  القضية العراقية بصورة عابرة.
وللأمانة التاريخية والتوثيق لا بد من الاشارة الى أن من حضروا الى تلك الدورة هم الاخوة والاخوات المشار اليهم ببيان الامانة العامة: [… وقد حضر دورة صنعاء للأمانة العامة، إضافة إلى الأمين العام أ. عبد الملك المخلافي (اليمن)، وكل من: الأمينين العامين السابقين أ. معن بشور (لبنان )، أ. خالد السفياني (المغرب)، ونائب الأمين العام د. يوسف مكي (السعودية )، وأعضاء الأمانة:أ. أحمد الكحلاوي (تونس)، د. إسماعيل الشطي (الكويت)، أ. حسن عز الدين (لبنان)، أ. الخليل ولد الطيب (موريتانيا)، د. زياد الحافظ (لبنان)، أ. الطيب الدجاني (فلسطين)، أ. عبد الإله المنصوري (المغرب)، أ. عبد الرحيم مراد (لبنان)، أ. عبد العظيم المغربي (مصر)، أ. علي عبد الله سعيد الضالعي (اليمن)، أ. غناء المقداد (اليمن)، د. ماهر الطاهر (فلسطين)، أ. ماهر مخلوف (مصر)، د. محمد الاغظف الغوتي (المغرب)، د. محمد السعيد إدريس (مصر)، أ. محمد حسب الرسول (السودان)، د. محمد سعيد طيب (السعودية)، أ. محمد فاضل زيان (ليبيا)، أ. محمد فايق (مصر)، د. مصطفى نويصر (الجزائر)، د. هالة الأسعد (سوريا)، د. هاني سليمان (لبنان)، د. وداد كيكسو (البحرين)، د. يوسف الحسن (الإمارات)، وحضرت أيضاً مساعدة الأمين العام للشؤون الإدارية والتنظيمية أ. رحاب مكحل (لبنان)].
وبتحديد موعد الاول والثاني من جوان/ حزيران 2013 ومكان الدورة 24 للمؤتمر القومي في القاهرة، وحسب بيان الامانة العامة سيناقش الاجتماع الذي يستمر لمدة يومين، عدداً من المشاريع العربية؛ منها بحث مشروع جديد للعمل الوحدوي العربي، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، كقضية قومية، إضافة إلى موضوع العلاقة بين التيارين القومي والإسلامي، وقضية الملتقى المغاربي، والإطلاع على أنشطة المؤتمر ما بعد دورة تونس. وكان المؤتمر القومي العربي قد عقد مؤتمره الــ 23، خلال الفترة 4-6 يونيو 2012، في العاصمة التونسية. وسيعقد مؤتمره القادم للمرة الثانية منذ إنشائه عام 1990 في القاهرة يومي 1 و2 يونيو المقبل، لمناقشة تقريره حال الأمة العربية والأوضاع التي وصلت لها  الحالة العربية بعد ما يسمى “ربيع ثوراتها”، حسب بيان الامانة العامة.
تتسم هذه الدورة بأهمية خاصة هذا العام، بسبب التداعيات الجارية في الوطن العربي ؛لا سيما الأحداث والتطورات الخطيرة التي أعقبت الانتفاضات والتظاهرات العربية وخصوصاً تصاعد  الأزمة السورية وبوادر تفاقم انفجار الأزمة العراقية وربما اللبنانية، ومشكلات تعاني منها البلدان العربية التي نجحت فيها الانتفاضات الشعبية في إزاحة رؤوس بعض الانظمة العربية السابقة في مصر وتونس واليمن وليبيا، بعد مرور أكثر من عامين من استمرار الغليان في الشارع العربي بدرجات متفاوتة بين بلد وآخر. وتأتي أهمية هذه الدورة أيضا، لأنها أول دورة تعقد في القاهرة بعد الثورة الشعبية الكبرى التي أطاحت بنظام حسني مبارك .
وحسب تصريحات الدكتور محمد السعيد إدريس رئيس اللجنة التحضيرية والمتحدث الرسمي للمؤتمر لـصحيفة “الأهرام العربي”:  إن أهمية إقامة المؤتمر هذا العام في مصر، جاء بعد طرح الفكرة التي استقبلها جميع الأعضاء بالترحاب الشديد احتراما لثورة 25 يناير وإلى التجربة الناصرية التي كانت رمزا حقيقيا للتيار القومي في التاريخ كله، وللزيادة المفرطة هذه الأيام في مصر ودول الربيع العربي لشعبية التيارات القومية؛ خصوصا أنه بمقارنة التيار القومي بجميع التيارات الإسلامية أو الليبرالية نجده  التيار الأكثر شمولا واتساعا لضم كل الأيدلوجيات والطوائف، بعكس كل تيار على حدة. وأشار محمد السعيد إدريس:  إلى أن المؤتمرهذا العام سيضم أكثر من 200 شخصية من المثقفين والمفكرين والسياسيين العرب أصحاب التوجهات القومية، سواء الموجودين داخل أقطارهم العربية وداخل مصر، أم الموجودين في دول المهجر كأستراليا وكندا وأمريكا، ولا يقتصر على أعضاء التيار القومي فقط، بل هو نافذة مفتوحة لكل أبناء الوطن العربي المؤمنين بوحدة هذه الأمة ويسعى لتحقيقه.
ويذكر المتحدث الرسمي للمؤتمر ان أهداف المؤتمر تتمحور حول 6 مبادئ أساسية، وهى تفعيل الوحدة العربية والديمقراطية والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والقومي والتجدد الحضاري وتحقيق التفاعل بين الوحدويين العرب في إطار من التنوع والتكامل وتعبئة الطاقات الشعبية، من أجل تحقيق هذه الأهداف واتخاذ المواقف المعبرة عنها.
ويضيف إدريس: أن المؤتمر سيركز من خلال جدول أعماله على مناقشة قضية الثورات العربية إلى أين، وتأثيرها على العلاقات العربية – العربية والصراع العربي – الصهيوني، بالإضافة لعرض التقرير السنوي الذي يعده مجلس دراسات الوحدة العربية عن حال الأمة خلال العام المنصرم في الشأن السياسي، بالإضافة لمناقشة القضايا الست التي تتمخض عن نفس مبادئ المؤتمر السابق ذكرها، ومن ثم يتم إعلان رؤية المشاركين الشاملة لمجمل القضايا ووضع حلول أمام المجتمع ومتخذي القرار.
وبطبيعة الحال كما يشير اعضاء الامانة العامة في تصريحاتهم ستكون للقضية الفلسطينية موقعها الخاص، كما كانت دائما في جداول أعمال الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي منذ تأسيسه.
بعد غزو العراق واحتلاله كان لا بد ان تكون القضية العراقية في مصاف القضية الفلسطينية من حيث العناية والإهتمام؛ كونها باتت قضية تحرر وطني تهم شعب شقيق في بلد يعاني الاحتلال والدمار الشامل بعد غزو استعماري بغيض استمر لعشرة سنوات، تبعها تسليمه الى صيغة احتلال ونفوذ إيراني، هو الأبغض، ولا يمكن التغاضي عنه، خاصة بعد إحلال النفوذ الايراني للتحكم بمصير العراق بدلا من الاحتلال الامريكي المباشر بعد انسحاب القوات الامريكية بفضل ضربات المقاومة العراقية الباسلة. الواقع يشير الى أن العراق يعاني اليوم من احتلال آخر بالوكالة،  يمارس عليه افعال لا تختلف بغضا وحقدا وتفكيكا عن سابقه، ويهدد عبر آليات انتقامية مبرمجة وجود ووحدة العراق الشعبية والترابية.
واذا كانت الدورة الاخيرة للأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي، وحسب ما جاء في بيانها تشير الى خصوصية الوضع في الاراضي الفلسطينية المحتلة : “…  حيث جرى التأكيد على ضرورة توفير أفضل الظروف لانطلاق انتفاضة فلسطينية ثالثة تستطيع أن تطيح بالإحتلال، وأن تعزّز الوحدة الوطنية، وبرنامجها المستند إلى نهج المقاومة، وهي الوحدة التي تجلّت ابان المواجهة البطولية للحرب العدوانية الصهيونية على قطاع غزّة”، كما جاء في بيان الامانة العامة، وبهذا الوضوح تكون الامانة العامة قد حددت مستوى اهتماماتها بالوضع الفلسطيني، لكنها لم تعط القضية العراقية ومصير وحدة التراب والشعب العراقي ذات الإهتمام، وخاصة باتخاذ  الموقف القومي المطلوب من المؤتمر القومي العربي إزاء جملة من القضايا منها وضع المقاومة العراقية ومحاصرتها وتشويهها والانتفاضة العراقية وقمعها، والمخاطر التي تهدد هوية العراق وانتمائه القومي ووحدته ووجود دولته، التي تحث على تكريس خصوصية وجهد استثنائي مطلوب في التأييد والمتابعة من لدن نخبة قومية عربية وإسلامية ممثلة في المؤتمر القومي العربي بكل اتجاهاته، وهي التي كانت ترى في العراق حجر الاساس في الوجود العربي، ومنها قوى سبق لها أن إعترفت بان مقاومة شعب العراق كان لها الفضل الكبير في رفع معنويات الشعوب العربية وهي التي طردت بتضحياتها الكبيرة اعتى قوة استعمارية في العالم، وشكلت بفعاليتها مؤشرا وحافزا عربيا  يفتخر به في قضية نهوض العرب كأمة، لا زالت تواجه معركة تقرير مصيرها في مواجهة العدوان الامريكي الصهيوني المستمر عليها.
وللأسف لم تحظ القضية العراقية من أي دعم عربي، إلا ببضعة سطور وردت عبر بيانات عابرة، صيغت على قاعدة دبلوماسية لارضاء بعض المصالح في المنطقة وعلى قاعدة لا تطرد الذئب من الحمى، ولا تحمي الراعي وقطيعه من الإفتراس المحدق، خصوصا عندما سيطرت بعض القوى المحسوبة على القوى العربية والاسلامية على توجهات المؤتمر القومي العربي في دوراته الاخيرة، خاصة تلك القوى التي تحابى مواقف حزب الله اللبناني من جهة، وتعمل على عرقلة  اية مواقف لإدانة الدور الايراني وتدخلاته السافرة في أقطار المنطقة العربية. ولما لإيران وحزب الله اللبناني من موقعين مؤثرين في بيروت، حيث تتمركز فعاليات الامانة العامة للمؤتمر القومي ومقرها، اضافة الى الدور الواضح لبعض الامناء العامين السابقين للمؤتمر القومي العربي ممن وكلوا لأنفسهم مهمة الاشراف الابوي والوصاية على كل امانة عامة جديدة وأمين عام جديد، مستغلين امكانية حضورهم لأعمال الامانة العامة في دوراتها باستغلال نص تأسيسي يضعهم في وظيفة المستشارين والحاضرين دائما في أعمال واجتماعات الامانة العامة للمؤتمر القومي العربي وخاصة في اجتماعاته في بيروت.
لقد حظيت دراسة اوضاع الساحات العربية بمناقشات الدورة الاخيرة والاجتماعات الأمانة العامة في صنعاء وبيروت باهتمام متباين، وعلى ضوئها تم تحديد مكان وتاريخ عقد الدورة 24 للمؤتمر القادمة في القاهرة، بعد تسهيلات متواضعة اوموعودة من مصر، وقبول القيادة المصرية الجديدة باستضافة المؤتمر بدورته القادمة بعد دورة تونس في الحمامات؛ لكون كلا من البلدين مصر وتونس قد وصلت الى قيادتهما في السلطة شخصيات قومية وإسلامية كانت على صلة وعضوية ونشاط في المؤتمر القومي العربي كالشيخ راشد الغنوشي والعديد من قيادات الاخوان من مصر وتونس.
ولهذا سيحضر الشيخ راشد الغنوشي الى مؤتمر القاهرة وسيستقبل الرئيس المصري محمد مرسي اعضاء الامانة العامة، كما قيل، وسيحظى المشاركون في مؤتمر القاهرة باستقبال رسمي على عشاء رئاسي في القصر الجمهوري، ربما سيحضره محمد مرسي او من سينيب عنه. ولهذا وضعت الامانة العامة في صدر فعالياتها في القاهرة فقرة زيارة المشاركين الى ضريح الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، وهي التي عبرت عن استيائها في بيانها الصادر من صنعاء ما يلي : ” … وقد توقفت الأمانة العامة أمام المعلومات الواردة من القاهرة حول قرارات الرئاسة المصرية المتعلقة بضريح الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، ورأت أنها تتعارض مع تقاليد مصرية عريقة، ويغذّي الانقسام الحالي داخل مصر، والذي نسعى لتجاوزه لمصلحة مصر والأمّة العربية”. وباقتران ذلك الموقف مع موافقة السلطات المصرية تكون قيادة الاخوان المسلمين والرئاسة المصرية قد مهدت الطريق لاجواء مريحة لعقد المؤتمر القومي بدورته الرابعة والعشرين في القاهرة التي تسودها أجواء من التوتر نظرا للصدامات بين تيار الاخوان المسلمين والحركات الشعبية والناصرية الاخرى، التي سيجد بعض نشطائها الفرصة من خلال تواجدهم في عضوية المؤتمر القومي العربي كالسيد حمدين صباحي وغيره لاثارة معارضتهم لحكم الرئيس محمد مرسي وحكومة الاخوان في مصر.
وبطبيعة الحال يتوقع ان اجواء حفل الافتتاح لدورة  المؤتمر القومي العربي الثالثة والعشرين في تونس سوف لن تغيب عن مسرح القاهرة السياسي، حيث تمكن في العام الماضي النشطاء التونسيون المعارضون لحركة النهضة من صناعة الحدث الاعلامي بمنع الشيخ راشد الغنوشي من القاء كلمته الافتتاحية للمؤتمر القومي العربي بتونس، مكتفيا ببضعة كلمات ترحيبية وسط فوضى سادت القاعة وصراخ المحتجين على سياسات حركة النهضة وقياداتها في السلطة الفتية الجديدة بتونس.
كما يتوقع ان يعاد سيناريو مناقشة القضية السورية بين جدل الاعتراف بوجود المعارضة السورية والمدافعين عن شرعية النظام السوري، وخاصة من تلك القوى التي يتصدرها ويؤثر عليها حزب الله اللبناني، والتي كانت حاضرة بقوة في كواليس المؤتمر السابق، مانعة كل ما يدفع  او يطالب  بإدانة الدور الايراني وتدخلاته السافرة في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين. ويبدو ان الامانة العامة للمؤتمر القومي قد استدركت ذلك منذ الآن برسم الموقف من القضية السورية من خلال بيانها الصادر من صنعاء بالقول والإشارة الصريحة المطلوب تبنيها بمؤتمر القاهرة القادم : ” … وحول المحنة السورية الدموية المستمرّة ما يقارب العامين، فقد شدّد المجتمعون على ضرورة إعطاء الأولوية لوقف سفك الدماء وما يرافقه من دمار يهدّد الدولة السورية في مكوّناتها وبناها وقواها، ويفسح المجال للتدخلات الأجنبية الرامية إلى تدمير سوريا وجيشها وموقعها الاستراتيجي وموقفها القومي ودورها التاريخي”.
وفي هذا الإطار أكّدت الأمانة العامة ” على ضرورة الاستمرار في المبادرة الشعبية العربية لمناهضة التدخل الخارجي ودعم الحوار والإصلاح، التي انطلقت قبل عام ووفّرت بنودها إطاراً للعديد من المبادرات المماثلة التي تؤكد أن لا حلّ للأزمة السورية إلاّ عبر حوار سياسي ومصالحة وطنية تفضيان إلى تسوية تاريخية يقرّر السوريون وحدهم مضامينها وفق ما يصون حريتهم وكرامتهم ويحقق الديمقراطية والعدالة والالتزام بنهج المقاومة في الأمّة.”.
ان ما يلاحظ على توجهات الامانة العامة للمؤتمر القومي العربي، وبعد دورة المؤتمر الأخيرة في شهر ماي / آيار من العام الماضي 2012 هو التعامل مع الملف العراقي كقضية ثانوية رغم المحنة الكبرى التي يعيشها شعبنا في العراق منذ اكثر من ثلاثة عقود متواصلة، وتمظهرت بأبشع صورها في الحصار الظالم ثم  ما جرى للعراق بعد الغزو والاحتلال الامريكي للعراق، وكان يجب ان تكون قضية العراق في مقدمة الملفات الاساسية التي يجب ان يتوقف عندها نشاط المؤتمر القومي وفعالياته ومؤتمراته القومية الأخيرة خاصة.
ورغم تصاعد الانتفاضة العراقية والتهاب اشكال واسعة من اعمال المقاومة العراقية ضد سلطات حكومة المالكي القمعية الا ان القضية العراقية لم تحظ بعد بالشكل والدعم القومي المطلوب من لدن الامانة العامة للمؤتمر القومي العربي، ولا حتى في بياناتها ومؤتمراتها التي عالجت قضايا قومية عديدة وستتوقف عند بعضها في مؤتمر القاهرة يومي السبت والاحد القادمين.
صحيح ان بيان الامانة العامة الصادر في صنعاء اشار، ضمن سياقه العام  وكما  ورد فيه : ” … واطلعت الأمانة العامة على تقرير حول التطورات الأخيرة في العراق، ورأت في الحراك الشعبي العراقي الواسع رسالة من أجل مراجعة جذرية لمجمل السياسات المعتمدة، ولإلغاء كل التدابير والإجراءات التي قام بها المحتل الأمريكي قبل اندحاره على يدّ المقاومة العراقية الباسلة… وفي هذا الإطار أكّدت الأمانة العامة على دعم المطالب الشعبية الرئيسية الأربعة التي يرفعها الحراك الشعبي الثوري المستمر، مشدّدة على أن المصالحة الوطنية العراقية القائمة على شراكة وطنية لا يستبعد منها أي طرف وطني عراقي، والعفو عن كلّ المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين وإلغاء كل قوانين الإلغاء والإقصاء والاجتثاث وإجراءاتهم، بما في ذلك قانون مكافحة الإرهاب، وخاصة المادة 4 منه، هي المدخل السليم لإستعادة العراق عافيته وصون وحدته وتأكيد عروبته واحترام كل حقوق مكوّناته”.
لقد عبر العديد من الاخوة العراقيين من اعضاء المؤتمر القومي العربي عن كثير من الاستياء والنقد والخشية والعتاب نحو مواقف الامانة العامة للمؤتمر القومي وبياناتها حول القضية العراقية والعديد منهم طالبوا المؤتمر القومي العربي بضرورة تسمية الامور بمسمياتها من دون مجاملة لأي طرف عربي كان أم أجنبي، وخاصة الموقف من التدخل الايراني السافر في القضية العراقية لتكريس سلطة الحكم الطائفي وتغييب هوية العراق العربية. ومنها نشير الى بيان الاخ  الدكتور خضير المرشدي عضو الامانة العامة للمؤتمر القومي ومناشداتنا المتكررة خلال تواصلنا في الحوار مع بعض اعضاء الامانة العامة للمؤتمر القومي وتذكيرهم حول تجذير الموقف القومي من القضية العراقية واسماعهم رأينا في ان المصالحة الوطنية التي يطالب بها بيان الامانة العامة من صنعاء لا يمكن ان تتم مع  حفنة من العملاء والقتلة المأجورين وقادة عصابات الجريمة المنظمة والمليشيات الطائفية الذين حملتهم جحافل الدبابات الامريكية الى بغداد، وهم يرون في الغزو والاحتلال الامريكي للعراق “تحريرا” ويرون  في كل عمل معارض للعملية السياسية التي اقامها الاحتلال الامريكي وبدعم من ايران ” ارهابا”.
ان ما يجري في العراق اليوم من مجازر وقتل على الهوية وتأجيج الاحقاد الطائفية والعمل على تقسيم العراق وفدرلته يجب ان يتوقف عنده القوميون العرب بجميع اقطارهم وبكل التشكيلات والتوجهات الفكرية التي ينتمون اليها ومن خلال المؤتمر القومي العربي يجب رفض ما يجري في العراق من مظالم واضطهاد يرتفع الى مستوى المجازر الدموية المنظمة. يجب الارتفاع بمستوى التضامن والنصرة لشعب العراق في محنته اليوم الى القدر المطلوب والمستطاع.
ان الاكتفاء بمثل هذا الموقف النظري من قبل الامانة العامة للمؤتمر القومي العربي وببيانات تصدر في سياقات عامة لا يمكن قبوله،  خصوصا وقد خلت البيانات تماما من أي جهد تعبوي مطلوب تنفيذه لنصرة شعب العراق في محنة مصيره وحريته . ولم تقترن التصريحات والبيانات رغم شحتها بأية مبادرة عملية ملموسة للوقوف مع الشعب العراقي وانتفاضته الوطنية،  خصوصا بعد ان انفجرت الاحداث منذ 25 فيفري شباط 2011 وما بعدها حتى شملت الانتفاضة العراقية اليوم باعتصاماتها السلمية مدنا عدة وهي مستمرة منذ اكثر ستة اشهر متواصلة، وتتعرض جماهيرها الى المجازر الوحشية والرصاص القاتل كما هو الحال في الحويجة والعامرية، وتعيش بغداد والمحافظات العراقية كلها جحيم التفجيرات الدموية وهستيريا الاعتقالات وتنفيذ الاعدامات وتصاعد الاغتيالات ومطاردة جميع الوطنيين العراقيين المعارضين لسلطات المالكي الدكتاتورية التي تدعمها بكل وضوح حكومة ايران وشخصيات عربية اخرى محسوبة للأسف على المؤتمر القومي من داخل وخارج العراق.
لقد قدمت الى لجنة الصياغة في المؤتمر القومي العربي الأخير المنعقد في ماي/ آيار2012  بمدينة الحمامات التونسية في الدورة 23 للمؤتمر توصيات ومقترحات قدمها الاخوة العراقيون والعرب خلال المؤتمر تركزت حول قضايا نصرة القضية العراقية، لكنها تعرضت وللأسف الى التعديل والتحوير والاهمال بسبب عقلية ووصاية المحاباة لموقف النظام الايراني، وكثير من الصياغات المطلوب تبنيها قومياً جابهها البعض من داخل قاعة المؤتمر وباحتجاجات وردود فعل واضحة من ممثلي وأنصار حزب الله اللبناني ووكلائه في المؤتمر القومي العربي ؛ لذا نشر تقرير حال الامة وقد ادرجت فيه القضية العراقية وكأنها ليست قضية احتلال لبلد عربي، رغم ما تؤكدها كل الشواهد السياسية والأمنية والعسكرية الجارية في العراق، الذي بات يرزح تحت سطوة إحتلالين امريكي وإيراني، وبتنسيق واضح بينهما وبتنفيذ وكلائهما وسفارتيهما في المضبعة الخضراء ببغداد، شواهد على جرائم يندى لها الضمير الانساني ولا يمكن ان يتجاهلها أحد من المنصفين في العراق وخارجه.
الموقف الحالي في اولويات مهمات المؤتمر القومي العربي من قضية العراق يلح على التحرك قبل فوات الأوان والندم، فحتى القراءة العملية للورقة التي اصدرها المؤتمر القومي الداعية الى”  سبل استنهاض التيار القومي العربي”، ناهيكم عن كافة أدبيات المؤتمر القومي منذ تأسيسه،  وما يبشر له المؤتمر حول المشروع النهضوي العربي الذي يعتبر المؤتمر الإلتزام به شرطاً للانتساب إليه، يتم تجاوزها بشكل واضح وهو موقف مؤلم لكثير من العراقيين والعرب المنصفين لنصرة الشعب العراقي، ومنهم العديد من أعضاء المؤتمر القومي العربي الذي بات اليأس يتسلل الى ظنونهم بالمؤتمر.
وعندما يضم المؤتمر حوالى  800 عضو، وهم يمثلون نخبة من المفكرين  والباحثين والمهنيين، ورؤساء  دول  وحكومات سابقين، من الذين يؤمنون بالمشروع النهضوي العربي فالأمل يحدونا ان تتحرك ضمائرهم من أجل محنة العراق وتترجم الاقوال الى أفعال لنصرة شعب العراق.
هل نذكرهم بما تضمن المشروع النهضوي للمؤتمر وهي تتجلى في ستة أهداف متكاملة: الوحدة العربية، والديمقراطية، والتنمية المستقلة، والعدالة الإجتماعية، والإستقلال الوطني والقومي، والتجدد الحضاري. ونسأل أين كل ذلك من حالة العراق السليب.
واذا كان المؤتمر القومي يؤكد في كل ادبياته وقراراته السياسية وحقله الاعلامي والدعائي الوقوف مع القضية الفلسطينية، كقضية قومية وأساسية، وكذلك يعلن في جل مواقفه أيضا دعم المقاومة اللبنانية، ممثلة “بحزب الله اللبناني، فلماذا يتراجع مثل هذا الموقف من المقاومة العراقية والانتفاضة العراقية القائمة، رغم ان اغلب نشطاء المؤتمر القومي واعضاء امانته العامة يرون  وبلسان الاخ ” معن بشور ” الامين العام السابق والحاضر بكل اجتماعات الامانة العامة منذ تأسيس المؤتمر، في تصريحاته ردا على  منتقدي بعض سياسات المؤتمر القومي  ان : ” موقف المؤتمر من دعم المقاومة في كل الأقطار هو موقف ثابت، مع تأكيدنا الدائم على ربط المقاومة بالوحدة الوطنية في كل قطر” . ونحن بدورنا نتسائل أيضا: هل هناك قضية مقاومة وتهديد للوحدة الوطنية الآن اكثر حرجا وصعوبة مما يجري في العراق منذ عشرة سنوات .
والاستاذ معن بشور اكثر من غيره كان صريحا عن:  ” موقف المؤتمر من كل قضايا الأمة، لاسيّما في فلسطين ولبنان، وصولاً إلى العراق الذي خسرته الأمة يوم خذلته أنظمتها، بل وتواطؤ بعضها عليه مع المحتل الأمريكي، حتى باتت اليوم “عروبة الخليج”  مهدّدة بالفعل، فيما جناح دولها بات مكسوراً، وهو جناح ينكسر مع كل مرّة تخسر الأمة بلداً كبيراً من بلدانها، فلا تجد تلك الدول سوى واشنطن حامية “لعروبتها وإسلامها”.؛ لكن هذا الاقرار بالخطر لا زال مستبعدا من الناحية العملية عند وضع ترتيبات وجداول اعمال المؤتمرات القومية في السنوات الاخيرة عندما يتطلب الامر الوقوف بشكل أكثر وضوحا من القضية والمقاومة العراقية، ولهذا ولاكثر من سبب برر بعض الاخوة العراقيين عدم حماستهم أو رغبتهم لحضور اعمال العديد من الدورات السابقة وربما الحالية للمؤتمر القومي العربي. فما بعد عقد مؤتمر الجزائر تراجع طرح القضية العراقية، كقضية مستقلة، ولم تطرح كقضية مقاومة لشعب من أجل الاستقلال واستعادة بناء دولته الوطنية أو يتعامل معها المؤتمر القومي العربي حركة تحرر وطني تقاوم الاحتلال وأذنابه في العراق بفعل تصاعد ونشاط وكلاء الدفاع عن النظام الايراني وحزب الله اللبناني ومحاولاتهم المكشوفة في الحد من ادانة واضحة لإيران حول ما يجري في العراق، وبما يستحق من وضع تشخيص دقيق لما يجري في العراق، بعيدا عن عموميات الصياغة الواردة في تقرير “حال الامة” الذي تصدره الامانة العامة للمؤتمر القومي بعد كل دورة من مركز دراسات الوحدة العربية.
لقد استبشر القوميون العرب  بميلاد وظهور المؤتمر القومي العربي قبل أكثر من عقدين، ورحب العرب الأحرار بما اعلنه المبادرون في تأسيسه بعد سلسلة من المراحل التي بدأت بدراسة استشرافية واسعة قام بها مركز دراسات الوحدة العربية في أواسط الثمانينيات، وكُلّف بإعدادها أكثر من 50 باحثا وأكاديميا عربيا، وحينها توصلت تلك الدراسة إلى وضع سيناريوهات ثلاث للمستقبل العربي: أولهما سيناريو التردي والتفتت لحال العرب، إذا بقي الواقع العربي على ما هو عليه، (وهذا ما نراه ونلمسه اليوم بعد حوالي 30 عاماً على تاريخ تلك الدراسة)، وثانيهما سيناريو حلم تحقيق التجمعات الإقليمية (وكانت احوالها مزدهرة آنذاك تمثلت في طموحات عربية في تشكل اتحاد دول المغرب العربي ودول اتحاد الخليج العربي، والتقارب بين عديد الدول العربية الاخرى بصيغ تعاون وتقارب وتحالفات اغلبها كانت ظرفية، وهو سيناريو قد توقف وفشل وقادت أوضاعه إلى المصير ذاته للسيناريو الأول (أي التردي والتفتيت والتمزق العربي والاحتراب الاقليمي)، وما عدا حالة  اتحاد دول الخليج العربي ، فان بقية التجمعات العربية قد فشلت وتوقفت تماما في محطات بائسة ظل يسودها الافتراق والقطرية وغلق الحدود وصراع ارادات الحكام العرب في ما بينهم، وما بينهم وبين شعوبهم التي هبت بعد يأس من الاصلاحات وتوقف التنمية والتراجع الحضاري، وواجهت حكامها في انتفاضات ما سمي بـ “الربيع العربي”.
وللتذكير هنا ان ظروف العدوان الامريكي والثلاثيني على العراق في منعطف 1990 /1991  وتخاذل الجامعة العربية عن الدفاع عن العراق وانخراط بعض الانظمة العربية في العدوان على العراق عسكريا ومحاصرته اقتصاديا، هي التي نضجت الفرصة المواتية للقوميين العرب من شتى فصا