فيما كانت واشنطن تمدد فترة السماح للرئيس نجيب ميقاتي، على الرغم من موجة الذعر التي تولدت عن التحذيرات الاميركية للمصارف اللبنانية من التعاون مع المصارف السورية، او تشكيل نافذة لتوفير سيولة بالعملة الصعبة، كانت القمة الروحية الاسلامية – المسيحية تحاول ان ترأب الصدع الوطني المترتب عن الانقسام السياسي بين 8 و14 آذار، من ضمن اعادة التأكيد على سلسلة من الثوابت، اضيف اليها اعتبار المسيحيين مكوّناً أصيلاً من مكونات الشرق العربي الاسلامي، فضلاً عن قراءة مشتركة للتحولات الجارية في العالم العربي مع التأكيد على وثيقة الوفاق الوطني في الطائف التي اصبحت دستوراً، واعتبار التعايش الاسلامي – المسيحي اساساً في قيام لبنان، واصلاً ثابتاً في هويته ورسالته

واذا كانت القمة الروحية ابتعدت عن الملفات الخلافية، ومن ضمنها اساساً موضوع المحكمة الدولية، فإن الامين العام للامم المتحدة بان كي مون اعاد تذكير الرئيس ميقاتي باستحقاق تمويل المحكمة، فرد عليه رئيس الحكومة اللبنانية، مؤكداً التزامه بما قاله رئيس الجمهورية ميشال سليمان حول التزام لبنان دوماً احترام قرارات الشرعية الدولية، بما فيها تلك المتعلقة بالمحكمة، ثم كشف لاحقاً امام الصحافيين المعتمدين لدى الامم المتحدة بأن موضوع سداد حصة لبنان من تمويل المحكمة سيبحث في خلال الاسابيع المقبلة، مضيفاً بأنه اذا لم يحصل التمويل فإن المتضرر الاول هو لبنان، مشيراً الى ان المستفيد الاول من عدم التمويل هو اسرائيل، لاننا نكون اعطيناها ما لم تستطع اخذه بالحرب، وهي تنتظر الفرصة لكي تتخذ اجراءات ضد لبنان، وتتذرع بعدم تطبيق قرار المحكمة لعدم تطبيق القرار 1701

القمة الروحية إذاً، ابتعدت القمة الروحية التي انعقدت في دار الفتوى، وهي الثانية بعد القمة الاولى التي انعقدت في بكركي في 12 ايار الماضي، في اعقاب انتخاب المطران بشارة الراعي بطريركاً للموارنة – عن الملفات الخلافية بين طرفي 8 و14 آذار، نتيجة التحولات التي حصلت منذ القمة الاولى، وركز بيانها على النقاط التي تجمع بين اللبنانيين وتثير ارتياحاً لدى الرأي العام في الداخل، فضلاً عن اعتبارها بمثابة رسالة الى بعض الاطراف الاقليمية والدولية

وذكر مرجع روحي شارك في القمة انه مقابل استبعاد موضوع المحكمة عن البيان الختامي، بناء لرغبة من نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ عبد الامير قبلان، تمّ استبعاد موضوع السلاح والمقاومة، بناء لرغبة اكثر مرجع مشارك، على اعتبار ان هذه الموضوعات هي محور الانقسام الداخلي
كذلك تم تجاوز النقاش حول قانون الانتخاب العتيد نظراً لغياب الاجماع حول المشاريع المقترحة، سواء بالنسبة الى النظام النسبي ام لحجم الدوائر الانتخابية التي تباينت المواقف منها، من دائرة صغرى الى متوسطة، على مستوى محافظة، او دائرة كبرى على مستوى لبنان
غير ان بنود البيان السبعة لم تخل من النقاش بين بعض المشاركين، حيث عبر اكثر من مرجع ديني، وفي مقدمهم رئيس الطائفة الانجيلية الاب سليم صهيون، عن اعتراضهم على سرعة توجيه الدعوة لانعقاد القمة، قبل استكمال الاستعدادات اللازمة لها، فضلاً عن مفاجئة بعض القيادات الروحية بمضمون البيان لانه لم يتح لها الاطلاع على النص مسبقاً
واقترح الاب صهيون في نهاية مداخلته، توسيع لجنة الحوار الاسلامي – المسيحي من ستة الى 12 عضواً تفادياً لحصول مثل هذه الهفوات· وكان رد مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني بالموافقة على كلام صهيون مقترحاً رفع العدد إلى 18 عضواً حيث يكون هناك ممثل لكل طائفة
وأشار المرجع الروحي إلى أنه خلال إلقاء البطريرك الراعي مداخلته، حصل نقاش بينه وبين الشيخ عبد الأمير قبلان، عندما كان يشرح ما جرى بينه وبين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، حيث أبلغه المسؤول الفرنسي الكبير أن النظام الديكتاتوري في سوريا لن يفلت من العقاب، فاعترض الشيخ قبلان مصححاً العبارة، فرد الراعي قائلاً/ <إنني أنقل ما يقوله الفرنسيون وهذا ليس رأيي>، مكرراً هذه العبارة مرتين في موقعين مختلفين

وكانت مداخلة الراعي الذي أراد أن ينقل للمجتمعين في دار الفتوى، حقيقة ما دار بينه وبين المسؤولين الفرنسيين في شأن أوضاع لبنان والمسيحيين في الشرق العربي، قد أثارت لغطاً على هامش القمة، حيث كان يفترض بحسب التنظيم المعد لهذه القمة أن تنقل فقط الكلمة الافتتاحية للمفتي قباني، ومن ثم البيان الختامي، إلا أنه تم بث كلمة الراعي خطأ عبر إذاعة <القرآن الكريم> التابعة لدار الفتوى، من دون أن يتنبّه الى ذلك المسؤولون في الإذاعة، وقد تولت محطة L.B.C مساء بث تسجيل صوتي لمقتطفات من المداخلة اقتصرت على الكلام الذي دار بينه وبين ساركوزي حول موضوع سلاح حزب الله، والخوف على المسيحيين في سوريا في حال أدت الأزمة هناك إلى حرب أهلية بين السنّة والعلويين
وعلمت <اللواء> أن المفتي قباني طلب إجراء تحقيق لمعرفة أسباب هذا الخطأ التقني الذي حصل في نقل وقائع القمة، في حين أنه كان من المقرر أن تتحوّل إلى جلسة مغلقة بعد انتهاء كلمة مفتي الجمهورية، ووقف نقل البث المباشر من داخل القاعة، ولم تعرف بعد النتائج الأولية للتحقيق
إلى ذلك، أكدت مصادر المجتمعين أن انعقاد القمة كان بناء على رغبة البطريرك الراعي، في هذا الوقت، مشددة على أن الأجواء كانت إيجابية جداً، وأنه كان هناك حرص لدى الجميع بالابتعاد عن طرح أي مسائل خلافية لا من قريب ولا من بعيد
وأشارت إلى أن مداخلة الراعي، وجدت صدى إيجابياً من الحاضرين الذين أثنوا عليه وأعلنوا دعمهم له، لافتة إلى أن الهاجس الأكبر لدى القيادات الروحية هو الحراك الحاصل في بعض الدول العربية، والخوف عند بعض الطوائف التي لها امتداد راعوي إن في العراق أو في سوريا، وجرى التأكيد من جانب الشيخ قبلان وحاضرين آخرين بأن الولايات المتحدة تعمل على إثارة الخوف لدى بعض الفئات بما يتناسب ومشروعها الرامي الى تفتيت المنطقة إلى دويلات طائفية ومذهبية متناحرة، والسطو على ثرواتها النفطية وغير النفطية، وكانت دعوة من الجميع للتعاون المشترك وتبديد المخاوف الموجودة من منطلق عدم وجود أكثرية وأقلية
وكشفت المصادر أن القمة الروحية الثالثة ستعقد في دار الطائفة الدرزية في فردان، بناء لرغبة أبداها شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن
وضمن هذا التوجه الذي كشف عنه المصدر، جاءت كلمة المفتي قباني الذي افتتح بها القمة، حيث أكد على ضرورة التعاهد معاً مسلمين ومسيحيين على الأمن والأمان لبعضنا () فلا اقتتال ولا ضرر ولا ضرار ولا أضرار بينهم وهم بوحدتهم يحافظون على انفسهم ووطنهم وارزاقهم ووجودهم ومستقبلهم، فلا خوف على احد من احد لا في لبنان ولا في المنطقة العربية
اما البيان الختامي الذي تبنى بشكل غير مباشر بعض خطاب البطريرك الراعي بالنسبة الى الحراك العربي ومنعه من الانزلاق الى اتجاهات تنحرف به عن غاياته الاصلية، او ان تكون سببا في اثارة الهواجس والمخاوف، فيما استدرك في مكان اخر بالتأكيد على رفض التدخلات الخارجية، وايضا رفض كل انواع الظلم والعنف والاستبداد، فهو شدد على المواطنة والمناصفة والعيش المشترك ولبنان الرسالة وضرورة التضامن في مواجهة محاولات اثارة الفتن واللجوء الى الحوار الصريح كأساس لحل المسائل الخلافية واحترام الارادة الشعبية والمطالبة بالحرية والعدالة، مع التحذير من الانزلاق الى ما قد يتجه بها نحو غايات تحرفها عن غاياتها الاصلية

كذلك اكد البيان التزام القيادات الروحية برفض توطين اللاجئين الفلسطينيين شكلا واساسا، معتبرا بأن العمل على تحرير باق الاراضي اللبنانية والعربية المحتلة وتحرير المقدسات الاسلامية والمسيحية واجبا وطنيا وعربيا جامعا، وبحكم قرارات الشرعية الدولية، مهيبا بالامم المتحدة الاعتراف بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس
ميقاتي في مجلس الامن وكان الرئيس ميقاتي الذي رأس بعد ظهر امس بتوقيت بيروت جلسة مجلس الامن الدولي في مقر الامم المتحدة في نيويورك بصفة لبنان رئيساً لمجلس الامن لهذا الشهر، في صوت دبلوماسي لبناني تاريخي قد اكد تمسك لبنان بمبدأ العدالة درباً الى السلام، وانه سيبقى دوما ارض الحريات والتلاقي والاعتدال، مشددا على التزام لبنان واحترام قرارات الشرعية الدولية، بما فيها تلك المتعلقة بالمحكمة الدولية، وفقا لما اكدت عليه البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية المتعاقبة
وجدد <مطالبة المجتمع الدولي إلزام إسرائيل القيام بموجباتها المحددة في هذا القرار اضافة الى الانسحاب المذكور، وهي وقف خرقها للسيادة اللبنانية براً وجواً وبحراً، والانتقال من حالة وقف الأعمال العدائية إلى وقف شامل لاطلاق النار، والتعاون الكامل مع اليونيفيل لترسيم ما تبقى من الخط الأزرق> كما? التأكيد على تمسكَ لبنان بحقه في تثبيت حدوده البحرية واستغلال ثرواته الطبيعية في مياهه الاقليمية وفي منطقته الاقتصادية الخالصة لا سيما النفطية والغازية منها>·
?ورأى <أن فلسطين تَفي بكل? المعاييرِ المطلوبةِ لاعتبارها دولةً بموجبِ القانون الدولي، من شعبٍ وارضٍ وحكومةٍ وقدرةٍ على إقامةِ علاقاتٍ مع الدول الاخرى· لكنَّها دولةٌ محتلة، وعليه، يكون لزاماً علينا ان نساندَ جهود دولة فلسطين وشعبها في انهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال وعودتهم الى ديارهم
?ودعا <الى العودة الى <مبادرة السلام العربية> التي اطلقها العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة بيروت عام 2002 والتزمتها دول منظمة التعاون الاسلامي
?وشدد على <أن لبنان، وإزاء ما تعيشه سوريا من احداثٍ اليوم، يهمه ان يؤكد مجددا حرصه على وحدة اراضيها وشعبها، وأمن جميع ابنائها وسلامتهم

وفي خلال مقابلة مع عدد من الصحافيين قال الرئيس ميقاتي/ ان المحكمة الدولية اليوم باتت امرا واقعا، والملاحظات عليها يجب وضعها في ملف وتقديمه الى الامم المتحدة لكي يصار الى تعديل قرار انشاء المحكمة، اضاف نحن مقبلون على تمديد عمل المحكمة في آذار المقبل وعلينا تحضير ملفنا لتقديمه الى مجلس الامن، ولكن في كل الحالات لا يمكن للبنان الخروج عن الارادة الدولية
وشدد، في جانب آخر، على حرص الحكومة اللبنانية على حماية القطاع المصرفي من اي شائبة· مشيراً الى انه لا يمكن لأي مصرف لبناني ان يقوم بأي امر يثير المجتمع الدولي او ان يكون ضد الإرادة الدولية
وكشف بأن هذا الموضوع اثير خلال اجتماعه بوزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون، وانه كان هناك اتفاق حيال مقاربته، وان كلينتون اكدت له انه ليس هناك اي مأخذ على المصارف اللبنانية
سجال التأشيرات الايرانية والى جانب موضوع المصارف الذي اثار ذعراً في بيروت، اثار الكلام المنسوب الى الرئيس ميقاتي خلال لقائه كلينتون بأن حكومة الرئيس سعد الحريري هي التي اتخذت قراراً بإعفاء الايرانيين القادمين الى لبنان من تأشيرات الدخول، سجالاً بين المكتبين الاعلاميين للرئيسين ميقاتي والحريري، حيث رد الأخير نافياً هذا الأمر بالمطلق، مؤكداً ان القرار اتخذ في مجلس الوزراء بتاريخ 7/9/2011، وقد نشر مضمونه في المقررات الرسمية للجلسة بموجب محضر رسمي
غير ان مكتب ميقاتي الاعلامي سارع إلى التوضيح بأن الموضوع كان تم الاتفاق عليه بين الجانبين اللبناني والإيراني أيام حكومة الرئيس الحريري، وان وزير الخارجية آنذاك علي الشامي أرسل مراسلة إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء لإدراجه في جدول أعمال مجلس الوزراء لإقراره، إلا ان تعذر انعقاد مجلس الوزراء في حينه أرجأ بث الموضوع، وان ما قامت به حكومة ميقاتي هو وضع الملفات المجمدة على جدول المحال مجلس الوزراء وإقرارها تباعاً بموجب استمرارية الحكم