5408_1141170263059_1167209_n

الناشط السياسي كاظم مجدم

تأثر الخطاب السياسي القومي التقليدي في عربستان (الاهواز) الى حد كبير بالخطاب القومي العربي منذ نشأته حتى وصول الاحزاب القومية للسلطة منذ الخمسينات والستينات في القرن المنصرم وقد تبنت تنظيمات عربستانية متعددة هذا الخطاب بتأثير مباشر من الأحزاب الناصرية والعبثية والوحدوية و… التي نادت بوحدة الأمة العربية من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي ورفعت شعارات الحرية والاشتراكية وتحرير فلسطين من إلى النهر الى ألبحر

وينطلق الخطاب القومي العربي من استنساخ أصول المصطلح القومي Pan-Arab nationalist terminology  الذي استعاره رواد الفكر القومي العربي الأوائل من الثقافات القومية الشوفينية الأوروبية بشكل يستنسخ التجارب الوحدوية ألأوروبية كالوحدة الألمانية والوحدة الايطالية وهي تجارب تختلف جملة و تفصيلا عن تجارب  العالم العربي الذي خرج لتوه من مرحلة الاستعمار و خصوصياته المحلية التي لا تمت بصلة إلى عالم “بروسيا” بسمارك . فانطلق القوميون العرب وفقا لذلك من مبدأ وحدة الامة العربية والأرض والتاريخ و اللغة و العرق و الدين و الثقافة في الوطن العربي ورغم مرور أكثر من نصف قرن من الزمن على حكم هذه الأحزاب على أهم البلدان العربية إلا أنها لم تستطع أن تحقق أي من شعاراتهما بل انها بنت جيوشا جرارة بحجج الحفاظ على الاستقلال الوطني و تحرير فلسطين وبناء دول قوية ولكنها استخدمت هذه القوة ضد شعوبها وما تزال تستخدم هذه الجيوش ضد مطالب شعوبها المشروعة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية بل انها تركت إرثاً ديكتاتورياً دمويا نتيجة عقود من الحكم الاستبدادي واستعباد ألشعوب ورأينا كيف استخدم القذافي والأسد وعلي عبد الله صالح وغيرهم هذه الجيوش ضد الشعوب من اجل بقاءهم في السلطة وقد حولت هذه الاحزاب البلاد العربية الى مزارع والشعوب الى عبيد لها ولطغيانها وجبروتها.  وقد وصف المفكر العربي الدكتور ” محمد جمال باروت” الدولة العربية الحديثة بأنها قبليّة وطائفية ومناطقية. ومن النتائج الكارثية التي جلبتها الأنظمة الديكتاتورية العربية تكريس الحدود السياسية التي رسمها الاستعمار الكولونيالي، لكن بفضل تعلق الحكام العرب بالعروش والكراسي ترسخت تدريجيا ذهنية الدولة القطرية العربية على المستويين النظري والعملي ولم تعد قضايا العرب قضايا واحدة بل أن التدخل في قضية أي قطر عربي بات أمرا محرما وباتت قضية كل قطر تخص القطر المعني وحده

لقد قضت الانظمة القومية على الدول الليبرالية العربية التعددية التي قامت بعد عهدي الاستعمار و الانتداب و التي أسست للديمقراطية الناشئة في العالم العربي و نوع من التدوال السلمي للسلطة و التنمية و اشاعة قيم الحداثة و جاءت الانظمة القومية بانقلابات عسكرية غالبا و اسست لحكم ديكتاتوري شمولي احادي الفكر و الايديولوجية باسم قيادة العروبة و الامة العربية و ان فشلها طوال عقود و تدميرها لكل الاحزاب و المؤسسات و التعددية السياسية الفكرية ادى الى وصول الاسلامييين الى الحكم بعد الربيع العربي

يعتقد المفكر العراقي الدكتور جميل السيار بان “العروبة ” هي غير ” القومية العربية ” و يقول بان احدى اشكاليات الخطاب القومي العربي انه احتكر مفهوم العروبة  و يضيف ” يبدو ان القوميين في عالمنا العربي قد شعروا منذ زمن طويل ان ايديولوجية القومية العربية قد ضعفت جدا الى الدرجة التي باتت على قاب قوسين او ادنى من الانهيار بعد ان احتكرت قيم ” العروبة ” عقودا طويلة من السنين .. ولابد ان يدرك المرء بأن العروبة ليست حالة سيئة ولا ظاهرة قميئة .. بل هي هوية ثقافية قديمة جدا ومجموعة قيم يتصف بها ابناؤها وسلسلة اساليب حياة تتوارثها الاجيال كابرا عن كابر ، وإنها مجموعة من بقايا القيم والمواريث وهي سلاسل البنوة والأبوة ، وهي الانساب والأرحام ، وهي الاسماء والفولكلوريات ، وهي اساليب الحياة المتوارثة بصالحها و طالحها وبكل سوالبها وايجابياتها .. وهي البيئة والصحراء والشعر واللغة .. وهي التي عّبر من خلالها اصحابها في قلب العالم القديم ، وهي كل النسق الفكري والاجتماعي والثقافي لتراث حضاري بكل حقوله وألوانه وعناصره وتاريخه

الربيع العربي : اقامة دول مدنية ديمقراطية و ليس اعادة انتاج المشروع القومي

فقد تم اليوم بفضل ثورات الربيع العربي اسقاط آخر الاقنعة عن هذا المشروع برمته حيث تم ايجاد القطيعة الكاملة مع حقبة الشمولية و الاستبداد و تم تجاوز ثقافة الفكر الواحد و الحزب الواحد  من ذهنية معظم الجماهير العربية  التي انتفضت بوجه طغيان و استبداد و قمع هذه الانظمة التي كانت ترفع شعار مشروع القومية العربية و تحاول هذه الشعوب الان بناء دول ديمقراطية حديثة و قد تجاوزت مرحلة الشعارات الى مرحلة بناء مجتمعات عصرية قائمة على التعددية و الحريات العامة و الشخصية و التنمية و العدالة الاجتماعية و دولة القانون و المؤسسات و لم يعد مشروع الاحزاب و الجماهير العربية المشروع القومي العربي أو اعادة انتاج شعاراته الفاشلة كما يتخيل للبعض الاهوازي الذين يعيدون انتاج الخطاب القومي العربي فلم تحصد الاحزاب و التيارات القومية العربية في مصر و تونس و غيرها من بلدان الربيع العربي ألا القليل من مقاعد في الانتخابات الديمقراطية التي جرت مؤخرا في تلك البلدان

اذا في ظل هذا الواقع الجديد الحاصل في العالم العربي ليس من المنطقي و لا العقلاني أن تطرح بعض التيارات الاهوازية هكذا شعارات والتي من موروث الانظمة الشمولية المستبدة التي اراقت دماء شعوبها و ارتكبت المجازر و الويلات و المآسي بحقهم و على التنظيمات الأهوازية المتمسكة بالخطاب القومي بنزقه العاطفي الحماسي القديم أن تراجع نفسها و خطابها و تعيد حساباتها و ان لا ترفع من جديد خطاب التمجيد و التبجيل و التأليه برموز الديكتاتورية كصدام حسين و غيره من الزعماء العرب الديكتاتوريين

يبدو العربستانيون المتمسكون بشعارات تخلى عنها أصحابها لا يعلمون أو ربما لا يدركون بأن الخطاب القومي العربي ( البعثي أو الناصري…) الذي تبناه الأهوازي في حقبة زمنية معينة لم يعد يطابق الواقع ولا يناسب المرحلة الراهنة. كما أن المنظرين الجدد للمشروع القومي العربي قاموا بمراجعة شاملة لهذه الخطابات و الأفكار والأيديولوجيات و قاموا بتغيير وتطوير وتجديد معظم توجهاتهم وخطاباتهم

كل التغييرات و التطورات الحاصلة و الوقائع و المعطيات و الدلائل تشير الى ان المشروع القومي العربي انتهى منذ زمن طويل إلا التنظيم القومي الأحوازي / الأهوازي أصيل ، لا يهزه الريح ولا يتغير ولا يتزعزع قيد أنملة عن شعاراته، فانه متمسك بهذه الأيديولوجية ( القومية )حتى النخاع وإنْ التقت الأرض بل سماء  وحتى لو اندثرت الأحزاب القومية أو انحسر الفكر القومي وحتى لو تعارض الفكر القومي مع المصلحة ألوطنية فانه كان وسيبقى وفيا مخلصا مواليا مطلقا لهذه الايدولوجيا مهما كلف الثمن

يعد التمسك بالمشروع القومي العربي اليوم كحل لقضية عربستان مشروع لا عقلاني بامتياز ، الخطاب الذي باسمه وباسم شعاراته قمعت الأنظمة ألحاكمة الشعوب العربية منذ الخمسينات والستينات من أجل إبلاغ الرسالة الخالدة وتحقيق الوحدة العربية والحرية والاشتراكية هذا الخطاب نفسه استعمل القضية الأهوازية ورقة مساومة منذ اتفاقية الجزائر عام 1975 ، إنه خطاب لا عقلاني ليس بسبب فشله في تحقيق أهدافه وإبلاغ رسالته فحسب ، بل لأن هذا الخطاب تحول إلى أداة قهر و قتل و مجازر مروعة و تنكيل و تشريد للشعوب بيد الأنظمة العربية بعد عقود من الممارسات القمعية والبوليسية ونشر الخوف والرعب في نفوس الشعوب العربية بحجة المقاومة و الممانعة ومعاداة الإمبريالية والهيمنة الأجنبية

لايعني عدم تبني المشروع القومي باننا غير متمسكين بالهوية العربية لعربستان حيث ان القوميين يعتقدون أن بدون مشروعهم لا عروبة لعربستان وطبعا هذا كلام مرفوض حيث أن هذا الوطن كان عربي الهوية و الثقافة و الانتماء قبل ظهور المشروع القومي وقبل أن تصادر الانظمة القومية الشقيقة قضية عربستان وتستخدمها كما يتوافق مع سياساتها ومصالحها الضيقة حتى تحول العربستانيون إلى أكباش فداء وأوراق تساوم رخيصة بيد أنظمة القومية العربية

القوميون في عربستان رغم خلافاتهم السياسية الشديدة إلا أنهم يجمعون نظرياً حول مبدأ واحد وهو ضرورة التمسك بالخطاب القومي العربي بمبادئه وشعاراته وأهدافه كحل للقضية العربية في عربستان و يقفون ضد كل من ينتقد هذا المشروع و يرفعون شعارات يغلب عليها الطابع الشمولي الاقصائي الاحادي و يتبنون شعارات كبرى فضفاضة من دون تقديم تحليل علمي و ادلة موضوعية علي نجاعة هذا المشروع كحل لقضية عربستان

ونستعرض هنا مواقف ابرز الانظمة القومية العربية تجاه قضية عربستان لكي نبين للقارئ و المتابع و المراقب ما تسببه هذا المشروع في تأخر و تجاهل و اهمال و تآمر ضد القضية العربية في عربستان طيلة العقود الماضية

موقف العراق من قضية عربستان

كان العراق دوما بمثابة موقع استراتيجي حيوي لعربستان بسبب الجوار الجغرافي و الصلات الاجتماعية و الثقافية و التاريخية بين عربستان و الجنوب العراقي خصوصا و لكن موقف الانظمة العراقية كان اما ضعيفا او لا أباليا بالنسبة لعربستان كما موقف الملك فيصل من سقوط الامارة عام 1925 الى العهد الجمهوري حيث تنظر غالبية الاحزاب  العراقية القومية و اليسارية و غيرها لعربستان باعتبارها جزء من العراق و عند استلام حزب البعث السلطة  في العراق  يقول طالب المذخور احد الناشطين العربستانيين في العراق في تلك الحقبة : ” رغبة من حزب البعث في تحويل القضية الاحوازية إلى ورقة عراقية، باعتبار أن تسمية ((عربستان)) في تلك المرحلة كانت لا تسمح للعراق اِعتبار القضية الاحوازية ورقة عراقية بسبب ارتباطها بمؤسسات ودول عربية خصوصا بعد التوصية التي رفعها مؤتمر المحامين العرب المنعقد في الإسكندرية عام 1968م إلى جامعة الدول العربية، والتي كانت توصي بمنح القضية كرسيا في جامعة الدولة العربية وبدعم وتأييد من عدة دول عربية وهي مصر والعراق والكويت واليمن والجزائر. وبموافقة عدة دول عربية على إدراج قضية عربستان في منهاج التعليم بكتاب التأريخ الذي يدرّس في المدارس الثانوية

و حول موقف العراق بعد الثورة الايرانية يقول المذخور: ” بعث الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مبعوث شخصي من قبله إلى ليبيا للقاء قيادة جبهة تحرير عربستان وإقناعهم بالعودة إلى العراق وذلك قبل نشوب الحرب العراقية ـ الإيرانية بثلاثة أشهر، فاشترطت الجبهة أن عودتها للعراق مرهونة باعتراف العراق رسميا بالقضية الأحوازية وتدويل القضية عن طريق منح كرسي للجبهة في جامعة الدول العربية، ولكن العراق وقتها عرض على الجبهة الحكم الذاتي للأحواز ضمن الدولة العراقية، وكان رد الجبهة قاسياً على المبعوث حين طلبوا منه إيصال الرسالة إلى الرئيس صدام حسين وهي (سبق وإن لدغنا، ولن نلدغ مرتين) “

فاننا نلاحظ إن حزب البعث في العراق وعند وصوله إلى السلطة في 1968 قد ساوم على القضية الأهوازية منذ البداية و في اتفاقية الجزائر عام 1975 تم تفكيك التنظيم الأهوازي الوحيد في العراق و قد سلم المناضلون إلى إيران و منهم من هرب إلى سورية و ذلك ما يثبت بأنهم أرادوا القضية الأهوازية ورقة سياسية  و هذا الكلام منقول عن شهادات العديد من مناضلي و قياديي جبهة تحرير عربستان و الجبهة الشعبية لتحرير الاحواز كالاستاذ جابر احمد و السيد وهاب الخانجي  و صرحوا مرات عديدة بان العراقيين لا يعتبرون الأهواز، قضية عربية مستقلة بل يعتبرونها قضية داخلية على ان عربستان أرض عراقية و شأن داخلي عراقي و قد تم تطبيق هذه الروية عمليا في الحرب مع إيران طيلة ثمانية سنوات و تجربة الجبهة العربية لتحرير الأحواز في العراق خير دليل على صحة ما نقول. كما أن تجربة غزو الكويت عام 1990 يعزز الرؤية التوسعية الاستعلائية الدكتاتورية لدى حزب البعث

ويقول جابر احمد في مذكراته التي هي قيد النشر “ان العربستانيين في العراق كانوا خاضعين  للقرار العراقي خضوعا كاملا ويشتد نشاطهم ويهدأ وفقا لبارومتر العلاقات السياسية بين ايران والعراق وفي الوقت الذي كانت فيه المعارضة الايرانية في العراق تحديدا تتمع بحرية نسبية، إلا ان هذه الحرية مسلوبة نهائيا بالنسبة لنا ولا يتم القيام بأي عمل إلا بعد موافقة السلطات ألعراقية رغم ذلك كان العربستانيون يتحدون هذا الحضر ويقومون ببعض الاتصالات مع نظرائهم في ألداخل وحتى اذا  بيان صدر دون علم الحكومة العراقية  سوف يعرض صاحبه لأشد ألعقوبات وفي هذا المجال نكل رجالات الامن العراقي في تلك الفترة  اشد انواع التنكيل بالعربستانيين

ينطلق المفكرون الإستراتيجيون العراقيون من أن الموقع الجيوسياسي للعراق على الخليج العربي يحتاج إلى التوسع إما نحو الأهواز أو نحو الكويت و الحرب العراقية الإيرانية و غزو الكويت كان أحد أهم أهدافهما هو التوسع في أحد الإقليمين الأهوازي والكويتي . ثم أنهم لو أرادوا مناصرة القضية الأهوازية لاستطاعوا فعل ألكثير فكانت في فترة ألحرب فرصة ذهبية كي يعرفوا القضية الأهوازية إلى العالم و يطرحونها في الجامعة العربية والأمم المتحدة والمحافل العربية والدولية  ناهيك عن إمكانية مساعدة الأهوازيين من خلال التعليم و التثقيف بدل منحهم اراضي زراعية و حتى تشكيل قوة عسكرية باسم جيش تحرير الاحواز لم يكن من اجل تحرير اقليم عربستان بل كقوة عسكرية مسلوبة الارادة لصالح النظام العراقي

فقد عممت الدولة العراقية إبان الحرب مع إيران على جميع الكتاب و المؤرخين و المثقفين العراقيين ابرزهم الدكتور مصطفى عبدا القادر النجار ، علي نعمة الحلو ،وعلاء نورس المحررين في مجلة آفاق عربية الرسمية الصادرة عن وزارة الثقافة و الاعلام عام 1980 أن يدعوا بأن عربستان جزء من العراق و أن تحرير الأحواز قضية عراقية بحتة و اقتصروها على أجزاء محدودة من خارطة عربستان و كانوا يهدفون بذلك السيطرة على موانئ عبادان و المحمرة و خور موسى و شط العرب الممر المائي الحيوي في المنطقة .و يؤكد سليم طه التكريتي في مقال له نفس الخطاب تحت عنوان ” الاحواز و المحمرة ،جزء لا يتجزأ من العراق و الوطن العربي ” في نفس عدد المجلة المذكورة اعلاه

أما ويلات الحرب العراقية الإيرانية التي دارت رحاها في عربستان مستمرة حتى اليوم، فهي لا تعد و لا تحصى، فتدمير المدن و القرى و المناطق و تهجير الناس إلى المدن غير العربية  خدم بشكل كبير مشروع التغيير الديموغرافي و النسيج الاجتماعي فكانت هذه من أول الويلات و المآسي حيث بعد انتهاء الحرب لم يعود المهجرون إلى ديارهم و صادرت الدولة الإيرانية أراضيهم و منازلهم و ممتلكاتهم العقارية ، كما ان آثار التلوث البيئي وجرحى و معوقي الحرب و الألغام المزروعة على المناطق الحدودية ما زالت باقية حتى اليوم

و يقول جمعة ياسين الشرهاني ( ابو خلدون ) أحد منتسبي  جيش تحرير الاحواز بان الاحوازيين رغم التضحيات الجسيمة التي قدموها اثناء الحرب للجيش العراقي خاصة في معارك شرق دجلة و هور الحويزة و قد توغلوا للعمق الايراني و غيروا موازين المعركة في تلك الفترة إلا انهم كانوا يعاملون معاملة الاسرى و مقيدون في الحركة حيث كان التجول ممنوعا خارج مناطق سكناهم  و الاهم في الامر ان قرار الحركة السياسية الاحوازية في العراق كان خاضعا بشكل كامل للقيادة العراقية و كل من يطالب باستقلالية القرار الاحوازي يزج به في السجن الا الذين كانوا يعملون لصالح المخابرات العراقية و ينفذون اجندتها فكانوا يتمتعون بإمكانيات و امتيازات خاصة هم و عوائلهم و يضيف : أننا إن رجعنا إلى عمليات العسكرية في بداية الحرب فنجد الجيش العراقي يدخل المدن العربستانية و يدمرها الواحدة تلو الأخرى و لم يحاصر الإقليم عسكرياً و يفصله عن إيران ككل و كان يستطيع ذلك بسهولة بقطع الممرات المحدودة في جبال زاغروس و تجنب الشعب الأهوازي كوارث القتل و التشريد و التهجير ولكنهم نقلوا المعارك داخل المدن و على رؤوس الشعب الأهوازي المسكين

ويقول ابوخلدون حول اوضاع الاحوازيين بعد انتهاء الحرب : ” مرت تلك السنين المرة والقاسية والمؤلمة والتي أعدم من أعدم خلالها وقتل من قتل صبرا وسجن من سجن ، حتى جاء عام 1991 وأصبحت الحركة الوطنية والبسطاء من ابناْ الشعب بين خيارين احلاهما مر وهما اما الاستمرار والموت على يد عناصر المخابرات العراقية … أو انها تسلم رقابها للمحتل ويموت ما تبقى من عناصرها شهداء على تراب الوطن .” (3) و الجدير بالإشارة الى ان الالاف من الاهوازيين الذين كانوا اعضاء في الجبهة العربية او جيش تحرير الاحواز سلموا انفسهم منذ 1991 حتى 2003 الى السلطات الايرانية و  الكثير منهم  سجنوا لسنوات عديدة كما حرموا من حقوقهم المدنية و الاساسية كحرمان اطفالهم من الجنسيات و التعليم و الرعاية الصحية و غيرها . و على الرغم من ان بعض اعضاء الجبهة يبررون عدم استقلالية القرار العربستاني بضعف قواهم السياسية و تشتتهم و تفرقتهم  و كذلك عدم الاتفاق و الانسجام في الجبهة العربية و تركيبتها القبلية و العشائرية وبالتالي يقولون بان هذا الوضع السياسي الهش للحركة العربستانية من اسباب عدم استقلالية القرار السياسي و خضوعه لسياسات القيادة العراقية . و لكن عدم طرح القضية العربستانية على المستوى الدولي و عدم دعم التمثيل الدبلوماسي العربستاني على المستوى الدولي و كذلك عدم ايجاد مؤسسات و سيطرة عربستانية على الاراضي المحررة اثناء الحرب وعدم موافقة القيادة العراقية حتى على رفع علم عربستان في الاقليم كلها تعزز الاتجاه الذي يذهب الى استحواذ القيادة العراقية على  القرار العربستاني

سورية

كان موقف سورية في الستينات مناصرا و مؤيدا للقضية الأهوازية و مشهود له في عدة مواقف،  فرئيس الوزراء السوري يوسف زعين طالب علنا عام 1965 بتحرير عربستان و قطع كافة العلاقات مع الشاه و وقفت سوريا ضد اتفاقية الجزائر رسميا عام 1975 و احتضنت الاهوازيين الفارين من بطش النظام العراقي الذي قام بتسليم عدد منهم و جمد نشاط التنظيمات العربستانية في العراق و لكن منذ الثورة الايرانية و تقارب حافظ الاسد و تحالفه مع إيران اثناء الحرب العراقية الايرانية عام 1980  أتخذ الموقف القومي السوري منحى تخاذليا منذ الحرب العراقية الإيرانية و مع وصول بشار الأسد إلى السلطة الوراثية العبثية و بعد انتفاضة نيسان 2005 اتخذ التعامل مع الأهوازيين شكلا عدائيا و تم تجميد نشاط الاهوازيين و تم وقف المنح الدراسية التي كانت تعطى للطلاب العربستانيين في سورية نهائيا كما تم تسليم بعض الناشطين السياسيين إلى إيران و قد حكم على عدد منهم بالسجن و الابعاد . اما موقف سورية حول خطاب الوحدة العربية و المقاومة و الممانعة فقد كشفت زيفه الثورة السورية بكل وضوح امام العالم فأصبح الجيش السوري الذي لم يطلق طلقة واحدة باتجاه اسرائيل طيلة 40 عاما اصبح يقتل السوريين يوميا بدم بارد و يقتل الاطفال و النساء و يرتكب المجازر و في نفس الوقت يرفع الشعارات القومية و الممانعة و المقاومة ضد الامبريالية و الصهيونية و اعداء الامة العربية

مصر

وقد دعمت مصر في عهد جمال عبد الناصر ولفترة محددة قضية عربستان إعلاميا و سياسيا بسبب عداء الشاه للعرب و مناصرته لإسرائيل و توجهاته التوسعية، إلا أنه مع وصول السادات إلى الحكم في مصر تغيرت المعادلات و لم تعد مصر تذكر القضية عربستان في أي مكان . و كانت من الدول التي ترفض أي تمثيل أهوازي في الجامعة العربية أو في المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة و اتهم محمد حسنين هيكل الانتفاضة الأهوازية عام 2005 بأنها جاءت من تحريض من أمريكا و بريطانيا

موقف دول الخليج العربي

لم يكن تعامل الخليجيين أفضل من الأحزاب القومية في العراق و سورية و مصر و لم يقدموا أي دعم يذكر للقضية العربستانية و ايضا استخدموا القضية كورقة  ضد ايران لا اكثر و لا اقل و قد تناسوا دور الشيخ خزعل في استقرار الخليج العربي و حماية مصالحه من المطامع الأجنبية طوال فترة حكمه .و حول موقف جبهة تحرير عربستان من الكويت و محاولة النظام العراقي  غزو الكويت في 1973يقول طالب المذخور : ” سافر بالفعل إلى دولة الكويت كلا من أحمد الجزائري ونصار المذخور بصحبة خالد أسعود الزيد وشرحوا للمسؤولين الكويتيين إن تمركز القوات العراقية في المنطقة ليس لحماية أم قصر،إنما لاحتلال الكويت، وخرج في اليوم الثاني أمير الكويت المرحوم صباح السالم الصباح في تلفزيون الكويت وهو على ظهر دبابة في الحدود بين العراق والكويت وتصرفت حكومة الكويت وقتها بشكل دبلوماسي حكيم وتجاوزت الأزمة وكان هذا بفضل حكمة قيادة جبهة تحرير عربستان ولمصلحة العراق والكويت معا وقتها، ولكن هل أن الأخوة في دولة الكويت كانوا أوفياء لموقف الجبهة هذا أم تناسوه كما تناسوا مواقف الأمير خزعل معهم ؟”

كان دور الدول الخليجية متخاذلا منذ بداية القضاء على الحكم العربي في امارة عربستان و لم يتبنوا أي موقف إزاء تقويض حكم الشيخ خزعل تجاه البريطانيين أو الإيرانيين. و في زمن الحكم الشاهنشاهي حيث كانت تمثل إيران دور الشرطي في ألخليج لم تقدم تلك الدول أي دعم يذكر للقضية الأهوازية. والسبب الرئيسي يعود الى خشية الخليجيين من إقامة دولة عربية شيعية في عربستان تمتلك 15% من احتياط النفط العالمي. و الدلائل على ذلك كثيرة و منها :

يقول فؤاد الهاشم صحفي كويتي مشهور : لقد حارب صدام حسين الإيرانيين لمدة ثماني سنوات عن طريق شيعة العراق لدرجة انه قال في احد لقاءاته المغلقة مع رؤساء تحرير الصحف الكويتية الخمسة في بغداد قبل الغزو بلهجته العراقية “قاتلنا كلابنا بكلابهما يقصد انه قاتل الإيرانيين بشيعة العراق. إذن ما المشكلة أن تحتوي دول الخليج العربي شيعة إيران والاهوازيين وان تستخدمهم لمواجهة السياسة الإيرانية ووقف تغلغلها في المنطقة؟.يمكن أن يكون ثلث الشعب الاهوازي مع العرب ضد إيران. “ليش دول الخليج صامتة وليش ناطرة كل مرة تجيلها طرقات من إيران”

و رأي آخر للكاتب الكويتي المعروف عبداللطيف الدعيج يقول فيه : ” في مطلع القرن الماضي اشتدت المطامع الفارسية في اقليم الاحواز العربي، واخذ الايرانيون يحرضون القبائل ضد الحاكم العربي المستقل للإقليم الشيخ خزعل. الشيخ استنجد بحاكم الكويت الشيخ مبارك الذي لبى ألنداء في مدينة الكويت هب المتدينون السلفيون ـــ بقيادة الاجانب كالعادة ، الشنقيطي وآخرون ـــ لتحريض الناس ضد الشيخ مبارك وضد نصرة الشيخ خزعل، باعتبار الاثنين ضد الدولة العثمانية السنية. طبعا الشيخ خزعل للعلم شيعي. لكن الفرس لم يرحموا تشيعه ، في حين لم ينس سلفيو الكويت «رافضيته». وهكذا سقطت امارة المحمرة بيد الفرس وقتل الايرانيون الشيخ خزعل ونكلوا ـــ وما زالوا ـــ بسكان الاقليم العرب الشيعة. الآن بعد ما طارت الطيور او العقبان الايرانية بأرزاقها، يطل علينا السلفيون المتخلفون ذاتهم هنا منادين بتحرير اقليم الاحواز ونجدة سكانه ألعرب ربما ناسين او متناسين ان الشيخ خزعل ابن الاحواز او اميرها بنى الحسينية الخزعلية، ثاني حسينية في تاريخ الكويت..!! كيف يكون الشيخ خزعل وابناء المحمرة الذين تصدوا للدولة العثمانية «كفارا» يفتي بعدم نصرتهم سلفيو الكويت، ثم يصبح احفادهم اليوم عربا مضطهدين علينا التضحية بمصالحنا وامننا لفك أسرهم

تعامل دول الخليج مع المهاجرين العربستانيين غير الشرعيين (الكعيبر) الذين يلجئون إلى تلك الدول بحثاً عن لقمة العيش في بلدهم الهائل بالثروات بشكل غير إنساني ومن منطلق بوليسي و أمني يتعرضون للضرب و الإهانة و السجون و التسليم إلى إيران و لم يقدموا لهم تسهيلات طوال العقود الماضية  و بعد انتفاضة الشعب العربي  الاهوازي  في  نيسان  من عام 2005 اخذوا يضغطون على العربستانيين الناشطين على أراضيها و اعتقلت دولة الكويت الناشط السياسي ابراهيم الناصري  لمدة 5 اشهر بسبب تغطيته احداث الانتفاضة في الصحافة و الاعلام الخليجي و أجبرته على ترك أراضيها

و من الاسباب التي تعرقل الدعم الخليجي لقضية عربستان التدخل الإيراني في دول الخليج العربي و تحريك الصراع الطائفي في بلدانهم من خلال الشيعة العرب أو الفرس الوافدين المقيمين في تلك البلدان و أيضا مساعدة مهربي المخدرات على تهريب هذه السموم القاتلة الى تلك دول في حال دعمهم للقضية الأهوازية

و لكن بعد الربيع العربي تغير هذا الموقف بحيث اخذ منحى آخر و قامت بعض الجهات الخليجية تدعم القضية العربية في عربستان اعلاميا و لكن تروج لخطاب معين ذات صبغة دينية سلفية و نزعة تحررية و نهج مسلح حيث ان المراقبون للشأن العربستاني يرون بان دعم هذا التيار لا يحل قضية الشعب العربي في عربستان و انما  يدخله في دوامة الصراع الطائفي في المنطقة و ايجاد شرخ في وحدة و نسيج المجتمع العربي في عربستان و تغيير جوهر الصراع من الاضطهاد القومي الى صراع طائفي بين ايران و الخليج و بالتالي استخدام قضية عربستان كورقة في هذا الصراع للضغط على النظام الايراني للجم تدخلاته في دول الخليج. طبعا هذا لا يعني ان لا ناخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي الموجود وعدم الاستفادة من الصراع الدائر بين النظام الايراني مع اي طرف من الاطراف الاقليمية او الدولية ولكن شريطة ان لا نقع في حضن اي من تلك الاطراف ضمن مشروع معين ونصبح اداة لتنفيذ اهداف استراتيجية معينة مسبقا. وما نراه اليوم من تهافت البعض الاهوازي علي بعض القنوات التي تروج لخطاب ديني معين وتغض الطرف عن طرح قضايا هامة كالديمقراطية وحقوق الانسان وحقوق المراة و…  ماهو الا مصداق بارز من التبعية وعدم الاستقلالية الراي

القومية الفارسية

كان شعبنا العربي في عربستان و سائر الشعوب غيرالفارسية في ايران اولى ضحايا الخطاب القومي الشوفيني الفارسي الذي تبناه رضاخان منذ وصوله للسلطة و بناؤه دولة ايران الحديثة على اساس القومية الواحدة و اللغة الواحدة و الثقافة الواحدة  و مع صعود فكرة  القومية العربية في العالم العربي و وصولها للسلطة اشتد الصراع العربي ـ الفارسي المزعوم الذي اختلقه العنصريون الفرس الذين بنوا الدولة الإيرانية الحديثة مع وصول رضاخان إلى الحكم على أساس الدولة ـ الأمة الفارسية و صهر كل القوميات في بوتقة التفريس و أصبح كل عربي يحارب على أساس أنه من أحفاد العرب الذين دمروا الحضارة الفارسية في الفتح الإسلامي و تحميل العرب كل الويلات و المآسي التي حلت بإيران إثر الفتح ألإسلامي باعتبار أن العرب هم الذين أتوا بالإسلام إلى إيران و استمر هذا الخطاب في عهد الجمهورية ألإسلامية لكن بإضفاء عنصر آخر هو الطائفية الصفوية و جعلها دينا قوميا إيرانيا، بهدف التمايز عن العرب و مصادرة الدور القيادي للعرب في العالم ألإسلامي، لذلك يتخذ العنصريون الفرس و من يحمل إيديولوجيتهم من النظرة الشوفينية المركبة للعنصرية الفارسية و الطائفية الصفوية، نهجا لحكم الشعوب غير الفارسية. شعبنا العربي في عربستان هو أول من تعرض إلى هذه الإيديولوجية العنصرية منذ تقويض الحكم العربي في عام 1925 و قد جابه القوميون العرب هذا الخطاب ألعنصري بخطاب عنصري مضاد و جعلوا من كل الشعوب غير الفارسية في إيران شعبا واحدا و تمت تغذية هذا الصراع الفارسي العربي المزعوم من قبل الطرفين و تحمل نتائجه المأساوية الشعوب المضطهدة في إيران و شعبنا العربي في عربستان على وجه الخصوص

ان التجارب المريرة التي مرت بها الحركة الوطنية في عربستان و تعاملها مع الانظمة و الشعوب المختلفة و كذلك اليوم ثورات الربيع العربي و نهضة الشعوب العربية نحو الحرية و مقارعة الاستبداد و الديكتاتورية  واستخلاص العبر و الدروس منها تحتم علينا التجديد و مراجعة خطاباتنا و حساباتنا و أن نسير باتجاه  تبني خطاب عقلاني مستقل يقبل بالتعددية و الديمقراطية و السعي لبناء مجتمع عربي حضاري دون الوقوع في صراعات اقليمية او طائفية لا تنفعنا بشيء سوى انها تجعل من قضيتنا ورقة مساومة بيد الانظمة المستبدة

الهدف من تحرير هذا المقال هو فهم المتغيرات و التطورات المحيطة و المرتبطة بالقضية العربستانية و التحديات التي تواجهها حيث القينا نظرة تفحصية على مواقف الدول العربية و احزاب و انظمة المشروع القومي العربي تجاه قضية عربستان لكي يتوضح للجيل الحالي و الاجيال القادمة ضرورة توثيق و تدوين مراحل نضال شعبنا بايدينا و بشهاداتنا و تجاربنا الذاتية دون تاثير او املاء من احد . والنقطة الاخرى التي يجب ان اؤكد عليها هو انني كتبت كل هذا بناء على المعلومات و المصادر المتوفرة و ربما هناك نقاط كثيرة لم يكشف عنها بسبب عدم التطرق اليها من قبل احد من قبل ، لذا كل من له ملاحظة او راي مغاير او وجهة نظر مختلفة ساستقبلها بصدر رحب من اجل تبيان الحقائق