ا.د. عبد الكاظم العبودي

قبل اسبوعين كنت قد وجهت رسالة هذه الى بعض الاخوة من اعضاء المؤتمر القومي العربي  وامانته العامة من دون الاقدام على نشرها بأمل التبليغ المسبق والتعبير عن مخاوف حدوث كارثة قومية متوقعة  كانت ولا زالت تحيط بمسار المؤتمر القومي العربي وانحرافاته في السنوات الأخيرة وأخيرا تكرس الحدس بشكل مبين خلال دورة انعقاده الأخيرة في القاهرة التي انتظمت في أجواء ومنعطفات تشير بشكل جلي ونهائي الى حالة أسره الكلي من قبل ايران وأتباعها وقد حدث المتوقع والمحذور منه، لذا لا بد من نشر تلك الرسالة التي لم ننشرها قبل اسبوعين وهي كالتالي.
منذ ان انعقدت في صنعاء يومي 26 و 27 كانون الثاني/يناير 2013، دورة الاجتماعات العادية للأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي، بحضور اعضاء الامانة العامة من اغلب الدول العربية ماعدا العراق، لعدم الاشارة الى ذكر حضور الدكتور خضير المرشدي عضو الامانة العامة لاسباب نجهلها، يزداد القلق من تراجع الاهتمام بالقضية العراقية رغم أهميتها وراهنيتها، حيث جرى خلال تلك الاجتماعات النقاش في مختلف القضايا الراهنة ومنها جرى التطرق الى  القضية العراقية بصورة عابرة.
وللأمانة التاريخية والتوثيق لا بد من الاشارة الى أن من حضروا الى تلك الدورة هم الاخوة والاخوات المشار اليهم ببيان الامانة العامة: [… وقد حضر دورة صنعاء للأمانة العامة، إضافة إلى الأمين العام أ. عبد الملك المخلافي (اليمن)، وكل من: الأمينين العامين السابقين أ. معن بشور (لبنان )، أ. خالد السفياني (المغرب)، ونائب الأمين العام د. يوسف مكي (السعودية )، وأعضاء الأمانة:أ. أحمد الكحلاوي (تونس)، د. إسماعيل الشطي (الكويت)، أ. حسن عز الدين (لبنان)، أ. الخليل ولد الطيب (موريتانيا)، د. زياد الحافظ (لبنان)، أ. الطيب الدجاني (فلسطين)، أ. عبد الإله المنصوري (المغرب)، أ. عبد الرحيم مراد (لبنان)، أ. عبد العظيم المغربي (مصر)، أ. علي عبد الله سعيد الضالعي (اليمن)، أ. غناء المقداد (اليمن)، د. ماهر الطاهر (فلسطين)، أ. ماهر مخلوف (مصر)، د. محمد الاغظف الغوتي (المغرب)، د. محمد السعيد إدريس (مصر)، أ. محمد حسب الرسول (السودان)، د. محمد سعيد طيب (السعودية)، أ. محمد فاضل زيان (ليبيا)، أ. محمد فايق (مصر)، د. مصطفى نويصر (الجزائر)، د. هالة الأسعد (سوريا)، د. هاني سليمان (لبنان)، د. وداد كيكسو (البحرين)، د. يوسف الحسن (الإمارات)، وحضرت أيضاً مساعدة الأمين العام للشؤون الإدارية والتنظيمية أ. رحاب مكحل (لبنان)].
وبتحديد موعد الاول والثاني من جوان/ حزيران 2013 ومكان الدورة 24 للمؤتمر القومي في القاهرة، وحسب بيان الامانة العامة سيناقش الاجتماع الذي يستمر لمدة يومين، عدداً من المشاريع العربية؛ منها بحث مشروع جديد للعمل الوحدوي العربي، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، كقضية قومية، إضافة إلى موضوع العلاقة بين التيارين القومي والإسلامي، وقضية الملتقى المغاربي، والإطلاع على أنشطة المؤتمر ما بعد دورة تونس. وكان المؤتمر القومي العربي قد عقد مؤتمره الــ 23، خلال الفترة 4-6 يونيو 2012، في العاصمة التونسية. وسيعقد مؤتمره القادم للمرة الثانية منذ إنشائه عام 1990 في القاهرة يومي 1 و2 يونيو المقبل، لمناقشة تقريره حال الأمة العربية والأوضاع التي وصلت لها  الحالة العربية بعد ما يسمى “ربيع ثوراتها”، حسب بيان الامانة العامة.
تتسم هذه الدورة بأهمية خاصة هذا العام، بسبب التداعيات الجارية في الوطن العربي ؛لا سيما الأحداث والتطورات الخطيرة التي أعقبت الانتفاضات والتظاهرات العربية وخصوصاً تصاعد  الأزمة السورية وبوادر تفاقم انفجار الأزمة العراقية وربما اللبنانية، ومشكلات تعاني منها البلدان العربية التي نجحت فيها الانتفاضات الشعبية في إزاحة رؤوس بعض الانظمة العربية السابقة في مصر وتونس واليمن وليبيا، بعد مرور أكثر من عامين من استمرار الغليان في الشارع العربي بدرجات متفاوتة بين بلد وآخر. وتأتي أهمية هذه الدورة أيضا، لأنها أول دورة تعقد في القاهرة بعد الثورة الشعبية الكبرى التي أطاحت بنظام حسني مبارك .
وحسب تصريحات الدكتور محمد السعيد إدريس رئيس اللجنة التحضيرية والمتحدث الرسمي للمؤتمر لـصحيفة “الأهرام العربي”:  إن أهمية إقامة المؤتمر هذا العام في مصر، جاء بعد طرح الفكرة التي استقبلها جميع الأعضاء بالترحاب الشديد احتراما لثورة 25 يناير وإلى التجربة الناصرية التي كانت رمزا حقيقيا للتيار القومي في التاريخ كله، وللزيادة المفرطة هذه الأيام في مصر ودول الربيع العربي لشعبية التيارات القومية؛ خصوصا أنه بمقارنة التيار القومي بجميع التيارات الإسلامية أو الليبرالية نجده  التيار الأكثر شمولا واتساعا لضم كل الأيدلوجيات والطوائف، بعكس كل تيار على حدة. وأشار محمد السعيد إدريس:  إلى أن المؤتمرهذا العام سيضم أكثر من 200 شخصية من المثقفين والمفكرين والسياسيين العرب أصحاب التوجهات القومية، سواء الموجودين داخل أقطارهم العربية وداخل مصر، أم الموجودين في دول المهجر كأستراليا وكندا وأمريكا، ولا يقتصر على أعضاء التيار القومي فقط، بل هو نافذة مفتوحة لكل أبناء الوطن العربي المؤمنين بوحدة هذه الأمة ويسعى لتحقيقه.
ويذكر المتحدث الرسمي للمؤتمر ان أهداف المؤتمر تتمحور حول 6 مبادئ أساسية، وهى تفعيل الوحدة العربية والديمقراطية والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والقومي والتجدد الحضاري وتحقيق التفاعل بين الوحدويين العرب في إطار من التنوع والتكامل وتعبئة الطاقات الشعبية، من أجل تحقيق هذه الأهداف واتخاذ المواقف المعبرة عنها.
ويضيف إدريس: أن المؤتمر سيركز من خلال جدول أعماله على مناقشة قضية الثورات العربية إلى أين، وتأثيرها على العلاقات العربية – العربية والصراع العربي – الصهيوني، بالإضافة لعرض التقرير السنوي الذي يعده مجلس دراسات الوحدة العربية عن حال الأمة خلال العام المنصرم في الشأن السياسي، بالإضافة لمناقشة القضايا الست التي تتمخض عن نفس مبادئ المؤتمر السابق ذكرها، ومن ثم يتم إعلان رؤية المشاركين الشاملة لمجمل القضايا ووضع حلول أمام المجتمع ومتخذي القرار.
وبطبيعة الحال كما يشير اعضاء الامانة العامة في تصريحاتهم ستكون للقضية الفلسطينية موقعها الخاص، كما كانت دائما في جداول أعمال الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي منذ تأسيسه.
بعد غزو العراق واحتلاله كان لا بد ان تكون القضية العراقية في مصاف القضية الفلسطينية من حيث العناية والإهتمام؛ كونها باتت قضية تحرر وطني تهم شعب شقيق في بلد يعاني الاحتلال والدمار الشامل بعد غزو استعماري بغيض استمر لعشرة سنوات، تبعها تسليمه الى صيغة احتلال ونفوذ إيراني، هو الأبغض، ولا يمكن التغاضي عنه، خاصة بعد إحلال النفوذ الايراني للتحكم بمصير العراق بدلا من الاحتلال الامريكي المباشر بعد انسحاب القوات الامريكية بفضل ضربات المقاومة العراقية الباسلة. الواقع يشير الى أن العراق يعاني اليوم من احتلال آخر بالوكالة،  يمارس عليه افعال لا تختلف بغضا وحقدا وتفكيكا عن سابقه، ويهدد عبر آليات انتقامية مبرمجة وجود ووحدة العراق الشعبية والترابية.
واذا كانت الدورة الاخيرة للأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي، وحسب ما جاء في بيانها تشير الى خصوصية الوضع في الاراضي الفلسطينية المحتلة : “…  حيث جرى التأكيد على ضرورة توفير أفضل الظروف لانطلاق انتفاضة فلسطينية ثالثة تستطيع أن تطيح بالإحتلال، وأن تعزّز الوحدة الوطنية، وبرنامجها المستند إلى نهج المقاومة، وهي الوحدة التي تجلّت ابان المواجهة البطولية للحرب العدوانية الصهيونية على قطاع غزّة”، كما جاء في بيان الامانة العامة، وبهذا الوضوح تكون الامانة العامة قد حددت مستوى اهتماماتها بالوضع الفلسطيني، لكنها لم تعط القضية العراقية ومصير وحدة التراب والشعب العراقي ذات الإهتمام، وخاصة باتخاذ  الموقف القومي المطلوب من المؤتمر القومي العربي إزاء جملة من القضايا منها وضع المقاومة العراقية ومحاصرتها وتشويهها والانتفاضة العراقية وقمعها، والمخاطر التي تهدد هوية العراق وانتمائه القومي ووحدته ووجود دولته، التي تحث على تكريس خصوصية وجهد استثنائي مطلوب في التأييد والمتابعة من لدن نخبة قومية عربية وإسلامية ممثلة في المؤتمر القومي العربي بكل اتجاهاته، وهي التي كانت ترى في العراق حجر الاساس في الوجود العربي، ومنها قوى سبق لها أن إعترفت بان مقاومة شعب العراق كان لها الفضل الكبير في رفع معنويات الشعوب العربية وهي التي طردت بتضحياتها الكبيرة اعتى قوة استعمارية في العالم، وشكلت بفعاليتها مؤشرا وحافزا عربيا  يفتخر به في قضية نهوض العرب كأمة، لا زالت تواجه معركة تقرير مصيرها في مواجهة العدوان الامريكي الصهيوني المستمر عليها.
وللأسف لم تحظ القضية العراقية من أي دعم عربي، إلا ببضعة سطور وردت عبر بيانات عابرة، صيغت على قاعدة دبلوماسية لارضاء بعض المصالح في المنطقة وعلى قاعدة لا تطرد الذئب من الحمى، ولا تحمي الراعي وقطيعه من الإفتراس المحدق، خصوصا عندما سيطرت بعض القوى المحسوبة على القوى العربية والاسلامية على توجهات المؤتمر القومي العربي في دوراته الاخيرة، خاصة تلك القوى التي تحابى مواقف حزب الله اللبناني من جهة، وتعمل على عرقلة  اية مواقف لإدانة الدور الايراني وتدخلاته السافرة في أقطار المنطقة العربية. ولما لإيران وحزب الله اللبناني من موقعين مؤثرين في بيروت، حيث تتمركز فعاليات الامانة العامة للمؤتمر القومي ومقرها، اضافة الى الدور الواضح لبعض الامناء العامين السابقين للمؤتمر القومي العربي ممن وكلوا لأنفسهم مهمة الاشراف الابوي والوصاية على كل امانة عامة جديدة وأمين عام جديد، مستغلين امكانية حضورهم لأعمال الامانة العامة في دوراتها باستغلال نص تأسيسي يضعهم في وظيفة المستشارين والحاضرين دائما في أعمال واجتماعات الامانة العامة للمؤتمر القومي العربي وخاصة في اجتماعاته في بيروت.
لقد حظيت دراسة اوضاع الساحات العربية بمناقشات الدورة الاخيرة والاجتماعات الأمانة العامة في صنعاء وبيروت باهتمام متباين، وعلى ضوئها تم تحديد مكان وتاريخ عقد الدورة 24 للمؤتمر القادمة في القاهرة، بعد تسهيلات متواضعة اوموعودة من مصر، وقبول القيادة المصرية الجديدة باستضافة المؤتمر بدورته القادمة بعد دورة تونس في الحمامات؛ لكون كلا من البلدين مصر وتونس قد وصلت الى قيادتهما في السلطة شخصيات قومية وإسلامية كانت على صلة وعضوية ونشاط في المؤتمر القومي العربي كالشيخ راشد الغنوشي والعديد من قيادات الاخوان من مصر وتونس.
ولهذا سيحضر الشيخ راشد الغنوشي الى مؤتمر القاهرة وسيستقبل الرئيس المصري محمد مرسي اعضاء الامانة العامة، كما قيل، وسيحظى المشاركون في مؤتمر القاهرة باستقبال رسمي على عشاء رئاسي في القصر الجمهوري، ربما سيحضره محمد مرسي او من سينيب عنه. ولهذا وضعت الامانة العامة في صدر فعالياتها في القاهرة فقرة زيارة المشاركين الى ضريح الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، وهي التي عبرت عن استيائها في بيانها الصادر من صنعاء ما يلي : ” … وقد توقفت الأمانة العامة أمام المعلومات الواردة من القاهرة حول قرارات الرئاسة المصرية المتعلقة بضريح الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، ورأت أنها تتعارض مع تقاليد مصرية عريقة، ويغذّي الانقسام الحالي داخل مصر، والذي نسعى لتجاوزه لمصلحة مصر والأمّة العربية”. وباقتران ذلك الموقف مع موافقة السلطات المصرية تكون قيادة الاخوان المسلمين والرئاسة المصرية قد مهدت الطريق لاجواء مريحة لعقد المؤتمر القومي بدورته الرابعة والعشرين في القاهرة التي تسودها أجواء من التوتر نظرا للصدامات بين تيار الاخوان المسلمين والحركات الشعبية والناصرية الاخرى، التي سيجد بعض نشطائها الفرصة من خلال تواجدهم في عضوية المؤتمر القومي العربي كالسيد حمدين صباحي وغيره لاثارة معارضتهم لحكم الرئيس محمد مرسي وحكومة الاخوان في مصر.
وبطبيعة الحال يتوقع ان اجواء حفل الافتتاح لدورة  المؤتمر القومي العربي الثالثة والعشرين في تونس سوف لن تغيب عن مسرح القاهرة السياسي، حيث تمكن في العام الماضي النشطاء التونسيون المعارضون لحركة النهضة من صناعة الحدث الاعلامي بمنع الشيخ راشد الغنوشي من القاء كلمته الافتتاحية للمؤتمر القومي العربي بتونس، مكتفيا ببضعة كلمات ترحيبية وسط فوضى سادت القاعة وصراخ المحتجين على سياسات حركة النهضة وقياداتها في السلطة الفتية الجديدة بتونس.
كما يتوقع ان يعاد سيناريو مناقشة القضية السورية بين جدل الاعتراف بوجود المعارضة السورية والمدافعين عن شرعية النظام السوري، وخاصة من تلك القوى التي يتصدرها ويؤثر عليها حزب الله اللبناني، والتي كانت حاضرة بقوة في كواليس المؤتمر السابق، مانعة كل ما يدفع  او يطالب  بإدانة الدور الايراني وتدخلاته السافرة في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين. ويبدو ان الامانة العامة للمؤتمر القومي قد استدركت ذلك منذ الآن برسم الموقف من القضية السورية من خلال بيانها الصادر من صنعاء بالقول والإشارة الصريحة المطلوب تبنيها بمؤتمر القاهرة القادم : ” … وحول المحنة السورية الدموية المستمرّة ما يقارب العامين، فقد شدّد المجتمعون على ضرورة إعطاء الأولوية لوقف سفك الدماء وما يرافقه من دمار يهدّد الدولة السورية في مكوّناتها وبناها وقواها، ويفسح المجال للتدخلات الأجنبية الرامية إلى تدمير سوريا وجيشها وموقعها الاستراتيجي وموقفها القومي ودورها التاريخي”.
وفي هذا الإطار أكّدت الأمانة العامة ” على ضرورة الاستمرار في المبادرة الشعبية العربية لمناهضة التدخل الخارجي ودعم الحوار والإصلاح، التي انطلقت قبل عام ووفّرت بنودها إطاراً للعديد من المبادرات المماثلة التي تؤكد أن لا حلّ للأزمة السورية إلاّ عبر حوار سياسي ومصالحة وطنية تفضيان إلى تسوية تاريخية يقرّر السوريون وحدهم مضامينها وفق ما يصون حريتهم وكرامتهم ويحقق الديمقراطية والعدالة والالتزام بنهج المقاومة في الأمّة.”.
ان ما يلاحظ على توجهات الامانة العامة للمؤتمر القومي العربي، وبعد دورة المؤتمر الأخيرة في شهر ماي / آيار من العام الماضي 2012 هو التعامل مع الملف العراقي كقضية ثانوية رغم المحنة الكبرى التي يعيشها شعبنا في العراق منذ اكثر من ثلاثة عقود متواصلة، وتمظهرت بأبشع صورها في الحصار الظالم ثم  ما جرى للعراق بعد الغزو والاحتلال الامريكي للعراق، وكان يجب ان تكون قضية العراق في مقدمة الملفات الاساسية التي يجب ان يتوقف عندها نشاط المؤتمر القومي وفعالياته ومؤتمراته القومية الأخيرة خاصة.
ورغم تصاعد الانتفاضة العراقية والتهاب اشكال واسعة من اعمال المقاومة العراقية ضد سلطات حكومة المالكي القمعية الا ان القضية العراقية لم تحظ بعد بالشكل والدعم القومي المطلوب من لدن الامانة العامة للمؤتمر القومي العربي، ولا حتى في بياناتها ومؤتمراتها التي عالجت قضايا قومية عديدة وستتوقف عند بعضها في مؤتمر القاهرة يومي السبت والاحد القادمين.
صحيح ان بيان الامانة العامة الصادر في صنعاء اشار، ضمن سياقه العام  وكما  ورد فيه : ” … واطلعت الأمانة العامة على تقرير حول التطورات الأخيرة في العراق، ورأت في الحراك الشعبي العراقي الواسع رسالة من أجل مراجعة جذرية لمجمل السياسات المعتمدة، ولإلغاء كل التدابير والإجراءات التي قام بها المحتل الأمريكي قبل اندحاره على يدّ المقاومة العراقية الباسلة… وفي هذا الإطار أكّدت الأمانة العامة على دعم المطالب الشعبية الرئيسية الأربعة التي يرفعها الحراك الشعبي الثوري المستمر، مشدّدة على أن المصالحة الوطنية العراقية القائمة على شراكة وطنية لا يستبعد منها أي طرف وطني عراقي، والعفو عن كلّ المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين وإلغاء كل قوانين الإلغاء والإقصاء والاجتثاث وإجراءاتهم، بما في ذلك قانون مكافحة الإرهاب، وخاصة المادة 4 منه، هي المدخل السليم لإستعادة العراق عافيته وصون وحدته وتأكيد عروبته واحترام كل حقوق مكوّناته”.
لقد عبر العديد من الاخوة العراقيين من اعضاء المؤتمر القومي العربي عن كثير من الاستياء والنقد والخشية والعتاب نحو مواقف الامانة العامة للمؤتمر القومي وبياناتها حول القضية العراقية والعديد منهم طالبوا المؤتمر القومي العربي بضرورة تسمية الامور بمسمياتها من دون مجاملة لأي طرف عربي كان أم أجنبي، وخاصة الموقف من التدخل الايراني السافر في القضية العراقية لتكريس سلطة الحكم الطائفي وتغييب هوية العراق العربية. ومنها نشير الى بيان الاخ  الدكتور خضير المرشدي عضو الامانة العامة للمؤتمر القومي ومناشداتنا المتكررة خلال تواصلنا في الحوار مع بعض اعضاء الامانة العامة للمؤتمر القومي وتذكيرهم حول تجذير الموقف القومي من القضية العراقية واسماعهم رأينا في ان المصالحة الوطنية التي يطالب بها بيان الامانة العامة من صنعاء لا يمكن ان تتم مع  حفنة من العملاء والقتلة المأجورين وقادة عصابات الجريمة المنظمة والمليشيات الطائفية الذين حملتهم جحافل الدبابات الامريكية الى بغداد، وهم يرون في الغزو والاحتلال الامريكي للعراق “تحريرا” ويرون  في كل عمل معارض للعملية السياسية التي اقامها الاحتلال الامريكي وبدعم من ايران ” ارهابا”.
ان ما يجري في العراق اليوم من مجازر وقتل على الهوية وتأجيج الاحقاد الطائفية والعمل على تقسيم العراق وفدرلته يجب ان يتوقف عنده القوميون العرب بجميع اقطارهم وبكل التشكيلات والتوجهات الفكرية التي ينتمون اليها ومن خلال المؤتمر القومي العربي يجب رفض ما يجري في العراق من مظالم واضطهاد يرتفع الى مستوى المجازر الدموية المنظمة. يجب الارتفاع بمستوى التضامن والنصرة لشعب العراق في محنته اليوم الى القدر المطلوب والمستطاع.
ان الاكتفاء بمثل هذا الموقف النظري من قبل الامانة العامة للمؤتمر القومي العربي وببيانات تصدر في سياقات عامة لا يمكن قبوله،  خصوصا وقد خلت البيانات تماما من أي جهد تعبوي مطلوب تنفيذه لنصرة شعب العراق في محنة مصيره وحريته . ولم تقترن التصريحات والبيانات رغم شحتها بأية مبادرة عملية ملموسة للوقوف مع الشعب العراقي وانتفاضته الوطنية،  خصوصا بعد ان انفجرت الاحداث منذ 25 فيفري شباط 2011 وما بعدها حتى شملت الانتفاضة العراقية اليوم باعتصاماتها السلمية مدنا عدة وهي مستمرة منذ اكثر ستة اشهر متواصلة، وتتعرض جماهيرها الى المجازر الوحشية والرصاص القاتل كما هو الحال في الحويجة والعامرية، وتعيش بغداد والمحافظات العراقية كلها جحيم التفجيرات الدموية وهستيريا الاعتقالات وتنفيذ الاعدامات وتصاعد الاغتيالات ومطاردة جميع الوطنيين العراقيين المعارضين لسلطات المالكي الدكتاتورية التي تدعمها بكل وضوح حكومة ايران وشخصيات عربية اخرى محسوبة للأسف على المؤتمر القومي من داخل وخارج العراق.
لقد قدمت الى لجنة الصياغة في المؤتمر القومي العربي الأخير المنعقد في ماي/ آيار2012  بمدينة الحمامات التونسية في الدورة 23 للمؤتمر توصيات ومقترحات قدمها الاخوة العراقيون والعرب خلال المؤتمر تركزت حول قضايا نصرة القضية العراقية، لكنها تعرضت وللأسف الى التعديل والتحوير والاهمال بسبب عقلية ووصاية المحاباة لموقف النظام الايراني، وكثير من الصياغات المطلوب تبنيها قومياً جابهها البعض من داخل قاعة المؤتمر وباحتجاجات وردود فعل واضحة من ممثلي وأنصار حزب الله اللبناني ووكلائه في المؤتمر القومي العربي ؛ لذا نشر تقرير حال الامة وقد ادرجت فيه القضية العراقية وكأنها ليست قضية احتلال لبلد عربي، رغم ما تؤكدها كل الشواهد السياسية والأمنية والعسكرية الجارية في العراق، الذي بات يرزح تحت سطوة إحتلالين امريكي وإيراني، وبتنسيق واضح بينهما وبتنفيذ وكلائهما وسفارتيهما في المضبعة الخضراء ببغداد، شواهد على جرائم يندى لها الضمير الانساني ولا يمكن ان يتجاهلها أحد من المنصفين في العراق وخارجه.
الموقف الحالي في اولويات مهمات المؤتمر القومي العربي من قضية العراق يلح على التحرك قبل فوات الأوان والندم، فحتى القراءة العملية للورقة التي اصدرها المؤتمر القومي الداعية الى”  سبل استنهاض التيار القومي العربي”، ناهيكم عن كافة أدبيات المؤتمر القومي منذ تأسيسه،  وما يبشر له المؤتمر حول المشروع النهضوي العربي الذي يعتبر المؤتمر الإلتزام به شرطاً للانتساب إليه، يتم تجاوزها بشكل واضح وهو موقف مؤلم لكثير من العراقيين والعرب المنصفين لنصرة الشعب العراقي، ومنهم العديد من أعضاء المؤتمر القومي العربي الذي بات اليأس يتسلل الى ظنونهم بالمؤتمر.
وعندما يضم المؤتمر حوالى  800 عضو، وهم يمثلون نخبة من المفكرين  والباحثين والمهنيين، ورؤساء  دول  وحكومات سابقين، من الذين يؤمنون بالمشروع النهضوي العربي فالأمل يحدونا ان تتحرك ضمائرهم من أجل محنة العراق وتترجم الاقوال الى أفعال لنصرة شعب العراق.
هل نذكرهم بما تضمن المشروع النهضوي للمؤتمر وهي تتجلى في ستة أهداف متكاملة: الوحدة العربية، والديمقراطية، والتنمية المستقلة، والعدالة الإجتماعية، والإستقلال الوطني والقومي، والتجدد الحضاري. ونسأل أين كل ذلك من حالة العراق السليب.
واذا كان المؤتمر القومي يؤكد في كل ادبياته وقراراته السياسية وحقله الاعلامي والدعائي الوقوف مع القضية الفلسطينية، كقضية قومية وأساسية، وكذلك يعلن في جل مواقفه أيضا دعم المقاومة اللبنانية، ممثلة “بحزب الله اللبناني، فلماذا يتراجع مثل هذا الموقف من المقاومة العراقية والانتفاضة العراقية القائمة، رغم ان اغلب نشطاء المؤتمر القومي واعضاء امانته العامة يرون  وبلسان الاخ ” معن بشور ” الامين العام السابق والحاضر بكل اجتماعات الامانة العامة منذ تأسيس المؤتمر، في تصريحاته ردا على  منتقدي بعض سياسات المؤتمر القومي  ان : ” موقف المؤتمر من دعم المقاومة في كل الأقطار هو موقف ثابت، مع تأكيدنا الدائم على ربط المقاومة بالوحدة الوطنية في كل قطر” . ونحن بدورنا نتسائل أيضا: هل هناك قضية مقاومة وتهديد للوحدة الوطنية الآن اكثر حرجا وصعوبة مما يجري في العراق منذ عشرة سنوات .
والاستاذ معن بشور اكثر من غيره كان صريحا عن:  ” موقف المؤتمر من كل قضايا الأمة، لاسيّما في فلسطين ولبنان، وصولاً إلى العراق الذي خسرته الأمة يوم خذلته أنظمتها، بل وتواطؤ بعضها عليه مع المحتل الأمريكي، حتى باتت اليوم “عروبة الخليج”  مهدّدة بالفعل، فيما جناح دولها بات مكسوراً، وهو جناح ينكسر مع كل مرّة تخسر الأمة بلداً كبيراً من بلدانها، فلا تجد تلك الدول سوى واشنطن حامية “لعروبتها وإسلامها”.؛ لكن هذا الاقرار بالخطر لا زال مستبعدا من الناحية العملية عند وضع ترتيبات وجداول اعمال المؤتمرات القومية في السنوات الاخيرة عندما يتطلب الامر الوقوف بشكل أكثر وضوحا من القضية والمقاومة العراقية، ولهذا ولاكثر من سبب برر بعض الاخوة العراقيين عدم حماستهم أو رغبتهم لحضور اعمال العديد من الدورات السابقة وربما الحالية للمؤتمر القومي العربي. فما بعد عقد مؤتمر الجزائر تراجع طرح القضية العراقية، كقضية مستقلة، ولم تطرح كقضية مقاومة لشعب من أجل الاستقلال واستعادة بناء دولته الوطنية أو يتعامل معها المؤتمر القومي العربي حركة تحرر وطني تقاوم الاحتلال وأذنابه في العراق بفعل تصاعد ونشاط وكلاء الدفاع عن النظام الايراني وحزب الله اللبناني ومحاولاتهم المكشوفة في الحد من ادانة واضحة لإيران حول ما يجري في العراق، وبما يستحق من وضع تشخيص دقيق لما يجري في العراق، بعيدا عن عموميات الصياغة الواردة في تقرير “حال الامة” الذي تصدره الامانة العامة للمؤتمر القومي بعد كل دورة من مركز دراسات الوحدة العربية.
لقد استبشر القوميون العرب  بميلاد وظهور المؤتمر القومي العربي قبل أكثر من عقدين، ورحب العرب الأحرار بما اعلنه المبادرون في تأسيسه بعد سلسلة من المراحل التي بدأت بدراسة استشرافية واسعة قام بها مركز دراسات الوحدة العربية في أواسط الثمانينيات، وكُلّف بإعدادها أكثر من 50 باحثا وأكاديميا عربيا، وحينها توصلت تلك الدراسة إلى وضع سيناريوهات ثلاث للمستقبل العربي: أولهما سيناريو التردي والتفتت لحال العرب، إذا بقي الواقع العربي على ما هو عليه، (وهذا ما نراه ونلمسه اليوم بعد حوالي 30 عاماً على تاريخ تلك الدراسة)، وثانيهما سيناريو حلم تحقيق التجمعات الإقليمية (وكانت احوالها مزدهرة آنذاك تمثلت في طموحات عربية في تشكل اتحاد دول المغرب العربي ودول اتحاد الخليج العربي، والتقارب بين عديد الدول العربية الاخرى بصيغ تعاون وتقارب وتحالفات اغلبها كانت ظرفية، وهو سيناريو قد توقف وفشل وقادت أوضاعه إلى المصير ذاته للسيناريو الأول (أي التردي والتفتيت والتمزق العربي والاحتراب الاقليمي)، وما عدا حالة  اتحاد دول الخليج العربي ، فان بقية التجمعات العربية قد فشلت وتوقفت تماما في محطات بائسة ظل يسودها الافتراق والقطرية وغلق الحدود وصراع ارادات الحكام العرب في ما بينهم، وما بينهم وبين شعوبهم التي هبت بعد يأس من الاصلاحات وتوقف التنمية والتراجع الحضاري، وواجهت حكامها في انتفاضات ما سمي بـ “الربيع العربي”.
وللتذكير هنا ان ظروف العدوان الامريكي والثلاثيني على العراق في منعطف 1990 /1991  وتخاذل الجامعة العربية عن الدفاع عن العراق وانخراط بعض الانظمة العربية في العدوان على العراق عسكريا ومحاصرته اقتصاديا، هي التي نضجت الفرصة المواتية للقوميين العرب من شتى فصا