لو قرأنا التاريخ العربي الإسلامي وبشكل صحيح وبعيد عن التحزب، لوجدنا ان مذهب التشيع هو في أساسه عربي إسلامي خالص، وان ظهور ايران على الساحة كدولة شيعية لم يبدأ إلا مع بداية القرن السادس عشر “تأسيس الدولة الصفوية في ايران عام 1502م”، وان الانحراف الفكري الذي حصل في المذهب الشيعي لم يبدأ إلا مع ظهور الحركة الشعوبية الفارسية في القرن الرابع الهجري، والتي استغلت المذهب الشيعي كغطاء لتمرير سياستها ومشاريعها الإجرامية ضد العرب والمسلمين،
والمتابع في تاريخ ايران يجد ان الدوافع التي تسببت في تحول ايران للمذهب الشيعي هي في الأساس دوافع سياسية وليست دينية، فالشاه إسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الفارسية الصفوية أراد ان ينافس الخلافة التركية العثمانية ويشكل قوة مضادة لتوسعها في دول الشرق الإسلامي، مما حطم آمال السلطان سليم الثاني في توسيع حدود الدولة العثمانية في جهة الشرق، وإقامة دولة إسلامية كبرى تمتد حدودها من الهند وشرق آسيا شرقا حتى المغرب غربا، مما أشعل بذلك شرارة الصراع التاريخي بين الصفوية الفارسية والعثمانية التركية، والذي استمر لأكثر من 3 قرون،
وفي المقابل، حاول الشيعة العرب خلال قرون، الاستقلال عن هيمنة الفرس على المرجعية الدينية الشيعية، فانشئوا المدارس والحوزات العلمية في كل من الأحواز والعراق وجبل عامل “جنوب لبنان”، ودخلت الدولة المشعشعية العربية التي كانت تحكم اقليم الأحواز وجنوب العراق في حرب ضروس مع الدولة الصفوية استمرت لأكثر من 200 عام، لكن تأثيرات الصراع العثماني-الصفوي القت بظلالها على مسار العملية، فانحاز كثير من علماء الشيعة العرب إلى الدولة الصفوية ظنا منهم بأن الدولة الصفوية ستخلصهم من ظلم الدولة العثمانية التي كانت تكن العداء المطلق للشيعة في ذلك الوقت، مما أعطى لايران فرصتها التاريخية في تنفيذ مشروعها لتفريس الشيعة العرب، ولكن الدولة المشعشعية التي التزمت الحياد في الصراع لم تستجب لتلك التأثيرات الخطرة،
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى والتي أدت إلى هزيمة الدولة العثمانية ودخول الاستعمار الأوروبي إلى المشرق العربي، شارك العرب الشيعة في الثورات والانتفاضات ضد الحكم الاستعماري، فكانت ثورة العشرين في العراق والتي انطلقت أولى شراراتها من البصرة عاصمة الجنوب العراقي، والثورة السورية الكبرى التي شارك فيها كثير من علماء الشيعة في بلاد الشام وعلى رأسهم المرجع الراحل السيد محسن الأمين العاملي، والمرجع الراحل السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي،
وعندما قام شاه ايران رضا بهلوي باسقاط إمارة المحمرة العربية في اقليم الأحواز عام 1925م، واغتيال شيخها الأمير خزعل بن جابر الكعبي، خاض شيوخ العشائر ورجال الدين من الشيعة العرب موجة ثورات عارمة تمكنوا من خلالها من تحرير كثير من المدن الأحوازية، ولكن الدعم البريطاني للشاه حال دون نجاح هذه الثورات،
وكان للشيعة العرب دور مهم في القضية الفلسطينية، فقد شارك الكثير من الشيعة العراقيين واللبنانيين في معارك الجيوش العربية ضد المنظمات الإرهابية الصهيونية التي كانت تقتطع من فلسطين شبرا تلو الآخر، بينما كان الموقف الإيراني في الأساس داعما للوجود الصهيوني، وكانت الدولة الإيرانية الشيعية الشاهنشاهية هي ثاني دولة إسلامية تعترف بالكيان الصهيوني بعد تركيا السنية العلمانية،
وبعد انتشار حركة القومية العربية التي قادها الراحل جمال عبدالناصر في الخمسينيات والستينيات، انضم كثير من الشيعة العرب في العراق ولبنان والأحواز للتيارات القومية واليسارية العربية، وشارك الكثير منهم في حروب عام 1967م و1973م،
ولم يبدأ ظهور الحركات الإسلامية الشيعية على الساحة السياسية إلا مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية والتوتر الذي حصل بين الشيعة والسنة في العراق في أواخر السبعينيات، فكان نشوء حزب الدعوة الذي أسسه مجموعة من الشيعة العراقيين ذوي الأصول الإيرانية في عام 1974م، وقيام حركة أمل “المحرومين” التي تزعمها الإمام السيد موسى الصدر في عام 1975م والتي كان لها دور كبير في إعلاء دور الشيعة اللبنانيين على الساحة السياسية اللبنانية،
وبعد نجاح الثورة الإيرانية في عام 1979م وسقوط نظام الشاه، عمل الحكام الجدد في ايران على تصدير نموذج الثورة الإيرانية والفكر الشيعي الإيراني إلى الدول العربية، فتوترت العلاقات بين ايران والعرب، وأصبح الشيعة العرب غرباء في أوطانهم، لكن بدت العنصرية الفارسية وكره الآراء العربية الشيعية المعارضة للنفوذ الإيراني بشكل واضح يتجلى في السياسة الإيرانية، فعلى سبيل المثال ارتكبت حكومة الخميني مجزرة بحق أكثر من 800 عربي شيعي من عرب الأحواز على خلفية خروجهم في مظاهرات تطالب باعطاء حقوق سياسية واجتماعية وثقافية للعرب في الأحواز، ووضعت المرجع الديني العربي الأحوازي أية الله الشيخ محمد طاهر آل شبير الخاقاني في الإقامة الجبرية حتى مقتله عام 1979م على خلفية تأييده للاحتجاجات، وفي لبنان عملت الحكومة الإيرانية على احداث الفتنة داخل الوسط الشيعي اللبناني، فكانت حرب الأخوة الدموية بين حزب الله وأمل، وسلسلة الاغتيالات التي طالت اليساريين الشيعة في ذلك الوقت من أمثال مهدي عامل وحسين مروة، وأثناء الحرب العراقية الإيرانية صبت ايران جام غضبها على مدن العراق الجنوبية، فقصفتها بالمدافع والطائرات والدبابات، وقتل في هذه الحرب كثير من شيعة العراق العرب الأبرياء الذين راحوا ضحية الإرهاب الإيراني والعبث الصدامي في نفس الوقت،
وفي زمن الخامنئي، لم يتورع النظام الإيراني عن تنفيذه لعمليات التفريس التي تطال عرب الأحواز، فكانت انتفاضة نيسان عام 2005م، والتي سطر فيها الشعب العربي في الأحواز أروع ملاحم التضحية والصمود والبطولة، وبعد ان احتل العراق في 2003م على يد امريكا والغرب عملت ايران على تفريس مدن جنوب العراق، عبر تجنيس ملايين الإيرانيين وتوطينهم في المدن العراقية الجنوبية، وتنفيذ حملات القتل والتهجير والاغتصاب بحق العرب الشيعة العراقيين وخاصة في مدن البصرة والناصرية، وتحالفت الدولة الإيرانية مع القاعدة في استهداف شيعة العراق بالمفخخات والتفجيرات التي راح ضحيتها مئات الآلاف من العراقيين الأبرياء، وفي لبنان وبعد عام 2005م عملت ايران ومن خلال ذراعها المتمثل في ثنائي حزب الله-أمل على إقصاء المعارضين الشيعة للمشروع الإيراني، وبلغ هذا الأمر اشده بعد حرب عام 2006م وقيام الثورة السورية في عام 2011م، عبر سجن السيد محمد علي الحسيني في رومية على خلفية تأييده للثورة في سوريا، وغدرت بالعلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله بعد نيته الصادقة للتقريب بين المسلمين السنة والشيعة، وطردت السيد علي الأمين من دار الإفتاء، ووصل الإجرام إلى حد خطير بعد طرد الناشطة اللبنانية مروة عليق من الجنوب على خلفية تغريدة في تويتر دعت فيها للتظاهر في بيروت احتجاجا على مشاركة حزب الله في قتال الشعب السوري، ومحاولة اغتيال ابن عمها الدكتور رامي عليق الذي يعتبر أحد المنشقين عن حزب الله على خلفية تأليفه لكتاب طريق النحل الذي انتقد فيه ممارسات حزب الله وأفكاره السياسية والعقائدية، وأحداث السفارة الإيرانية التي استشهد فيها عضو حزب الانتماء اللبناني الناشط هاشم سلمان،
إذا فإن كل ما يشاع ويقال عن وحدة فكرية وسياسية بين ايران والشيعة العرب لهو محض افتراء، فالشيعة العرب يختلفون عن ايران في كثير من العقائد والأفكار، وهم متقاربون ومتسامحون مع أخوتهم من المسلمين السنة، ولا يؤمنون بالخزعبلات والشعوذات الفارسية على عكس ايران، وان أغلب المواقف الشيعية العربية كانت معارضة للوجود الإيراني ولمشروع ولاية الفقيه الذي يسعى إلى فرض التشيع الإيراني الصفوي البعيد عن الإسلام والتشيع في الأساس، وانها لا ترضى بأي مشروع سوى مشروع الدولة العربية الديمقراطية المدنية الجامعة والمنفتحة،
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة في لبنان والعراق واقليم الأحواز، ان دموع ايران على الإسلام والتشيع ما هي إلا مجرد دموع تماسيح كاذبة، وان النظام الإيراني مهما كان شكله، دينيا أم علمانيا، لن يغير حرفا واحدا في سياسته التوسعية والعنصرية المعادية للعرب،
لذلك فإننا نوجه نداءنا إلى جميع الحركات والقيادات العربية الشيعية المعارضة للوجود الإيراني وللمشروع الإيراني إلى ضرورة تشكيل جبهة عربية شيعية معارضة للمشروع الإيراني، يكون الهدف من إنشاءها إبقاء القرار العربي الشيعي مستقلا حرا غير خاضع للهيمنة الإيرانية،
ونوه نداءنا إلى الأخوة الشيعة العرب وخاصة الأخوة في دول الخليج العربي ومصر والمغرب العربي، ان النظام الإيراني يتعامل مع حلفاءه بعقلية التاجر “عقلية البيع والطلب”، وانه إذا أحس بالخطر فلن يتورع عن تسليم رقاب حلفاءه لنيل رضا الأعداء ولكسب حلفاء جدد ينفذون مشاريعه التوسعية القذرة، وما
حصل مع شيعة باكستان وأفغانستان في تسعينيات القرن الماضي لهو خير دليل على ما أقول، والعاقل من اتعظ بغيره
حسين الشمري