لم يعد مخفيا على احد ما تقوم به قوى الأمن والاستخبارات وقادة الطائفة الصفوية الإيرانية في العالمين العربي والإسلامي عموما وفي العراق و منطقة الشرق الأوسط العربي خصوصا ومازال هذا التدخل نشطا مع كل ما واجه من تعري وفضائح ومع كل ما انكشف عنه من جرائم ومذابح في العراق ومع كل الاعتراضات الدولية والاجتماعات الدورية الإقليمية لمنع تدخله وإيقاف حمام الدم الطائفي الذي زودته السلطات الإيرانية بالسلاح والمتفجرات التي أطالت حتى المراقد المقدسة من اجل الفتنة التي كانت هدفها الأول تضعيف قوة العراق الوطنية بالدفاع عن نفسه بعد احتلاله. ووظفت السلطات الإيرانية لتدخلها في العراق الآلاف من رجال سياستها وأمنها وحرسها وأكثر من ذلك من فاقدي الضمائر من سياسيين ومليشيا وقتله ومفجرين للمساجد والمعابد والأماكن المقدسة وتدخلت بذلك في كل صغيرة وكبيرة في العراق، من رأس الهرم وتنصيب القيادات السياسية الموالية لها الى تصفية الوطنيين العراقيين والعقول اللامعة والأكاديميين وضباط الجيش السابقين والكفاءات العلمية وسرقت النفط والتراث والتاريخ وزجت بعشرات وبمئات الآلاف من الإيرانيين الى العراق وهيئت لهم السكن بعد طرد اللاجئين والمقيمين من الفلسطينيين والأحوازيين والعرب من كل مكان بالإضافة الى طردها للعراقيين من سنة وشيعة من بيوتهم والاستيلاء عليها وتأسيس مراكزها الإستخباراتية وبحيل مختلفة وبعناوين دينية وإنسانية في أهم مدن الجنوب العراقي وفي العاصمة بغداد، وأخيرا وليس آخرا نفوذها المكثف والموسع في البصرة من اجل توسيع رقعة تدخلها عمليا في الخليج مستقبلا وقائمة تدخل إيران في هذا الخصوص طويلة حيث تصل الى أوروبا الشرقية والمسلمين في البلقان وفي كل مكان من العالم………….!

وفي المنطقة، فهناك مجازر قامت بها قوى صفوية شريرة بحق بعض السنة في الباكستان ومازالت، تدخل طائفي صفوي في البحرين ومحاولة السيطرة على الجزيرة وأخيرا تهديداتها لها بضمها لإيران، تدخلاتها في اليمن ومساعداتها الطائفية والسياسية وتمويلها لجماعة الهوثي وتزويد الجماعة بالسلاح والمال حسب ما أعلنت الجهات اليمنية ذلك، تدخلها السياسي والأمني في لبنان وسورية، قمعها للشعب الكردي، التركي على الحدود العراقية-الإيرانية والتركية الإيرانية، تدخلها في الشأن الفلسطيني، تأسيسها لمراكز ومؤسسات وبنائها لمساجد طائفية وإرسالها مبلغين ومبشرين طائفيين لمعظم دول المنطقة سرا وعلنا مثل مركزها الثقافي في الخرطوم، تشكيل مليشيات لها في نيجيريا، الزج بعشرات وبمئات الآلاف من الإيرانيين الى دول الخليج العربية من اجل تغييرات ديموغرافية مستقبلية وبالنهاية تغيير الواجهة العربية لدولها وتثبيتها لما تنوي تنفيذه عمليا باسم ” الخليج الفارسي!”. و أيضا قمعها للشعوب غير الفارسية في إيران ومنهم العرب الأحوازيين والأكراد والبلوش والأذربيجانيين والتركمان وغيرهم و تضييقاتها وقمعها للطائفة السنية في إيران بالاغتيالات ومنع بناء مساجد لهم وسجن علمائهم في الوقت الذي تعين فيه ميزانية للأديان الأخرى مثل الزرادشتية المجوسية واليهودية والمسيحية، والقائمة في هذا الخصوص طويلة أيضا.
مقابل كل ما أشير إليه من تدخلات سياسية وطائفية وأمنية وتخريب وفتن وتمويل إرهاب وتهديدات باحتلالات جديدة بالإضافة الى الأحواز والجزر الإماراتية على لسان قادتها ومستشاريها الرسميين وغير الرسميين، وكل ما قامت به من تطوير للأسلحة وصنع الصواريخ القصيرة والطويلة المدى وامتلاكها للغواصات والأسلحة المتطورة والمتنوعة وتهديد كل ذلك للأمن العربي وتطويرها للتكنولوجية النووية وإنتاجها لليورانيوم والماء الثقيل مع كل ما يحمل ذلك من مخاطر بيئية على المحيط العربي بالإضافة الى احتمال صنعها للسلاح النووي أو الهيدروجيني الفتاك الذي يهدد العرب جميعا، ومع كل ما قامت به من الزج بالآلاف من الإيرانيين الى العراق والكويت والإمارات العربية المتحدة وسورية لإيجاد تغييرات بشرية وسكانية لصالح سياسة توسعها في المنطقة ومقابل ومقابل………..كل هذا، ما هي الإجراءات التي قامت بها الدول العربية للدفاع عن كياناتها وشعوبها مقابل هذه التجاوزات؟ وماذا فعلت القوى العربية الشعبية وغير الرسمية لتوجيه دولها وقياداتها للمخاطر هذه ولتوعية الشارع العربي بأعدائه الحقيقيين؟

على الصعيد الرسمي، ليس هناك ما يشير الى تحرك عربي جماعي مؤثر سواء كان ذلك على الساحة العربية الخليجية ودوله المتحدة ودرعها للجزيرة ولا على الساحة العربية عموما ومن خلال جامعتها العربية أو على الساحة الإسلامية والإقليمية ولا حتى على الساحة الدولية وفي المؤسسات ذات الطابع الدولي. حيث تمر تدخلات إيران في العراق اليوم مثل ما مرت قبل ذلك في البحرين واليمن ومصر ولبنان دون حتى اعتراض رسمي أو توجيه إعلامي رسمي لكل هذه الفضائيات التي تتكالب على وجود مكتب إعلامي لها في طهران.

أما على الصعيد الشعبي، فهناك تخبط واضح على مستوى المؤسسات القومية والشعبية العربية سواء كانت هذه المؤسسات أحزاب أو تجمعات مدنية، مقابل كل ما تقوم به إيران، لا بل وبعض هذه التجمعات التي تدعي القومية والمصير المشترك للأمة، تعلن صراحة دفاعها عن إيران في ما يجري في المنطقة ويعزون ذلك لحقانية المواجهة الإيرانية للغرب دون ان يأخذون بالحسبان النيات التوسعية الإيرانية في هذه المواجهة المعلنة في المنطقة العربية وما تهدف إيران من هذه التحركات والتدخلات ولا يتحدثون عن التعاون الإيراني الأمريكي في احتلال العراق وأفغانستان، حيث أصبحت مواقف هذه الجهات الشعبية، اقرب الى المواقف الرسمية لبعض الدول العربية خصوصا التي تعاني من التجافي الأمريكي ويرون هؤلاء في التعاون الإيراني مع هذه الدول نصرة للقضايا القومية وكل ذلك يحصل بسبب عدم معرفتهم بالنوايا الإيرانية وعدم توجههم للمخاطر التي تهدد الأمن والمستقبل العربيين في المدى المتوسط والطويل من الخطر الإيراني.
ونرى هذه المواقف ألا مسئولة على الجبهتين الرسمية والشعبية، في الوقت الذي تقوم فيه إيران بحشد أصدقاء لها في كل أنحاء العالم لمساندة تحركاتها،حيث شمل تحركها بداية بعض القيادات العربية في العراق وسورية ولبنان وامتد الى روسيا والصين وبعض دول الإتحاد الأوروبي وبعض قادة أمريكا اللاتينية، وفي نفس الوقت حاولت بناء العلاقات الخاصة، بالتطميع والترهيب مع بعض الجهات العربية والإقليمية وحيدت مواقف كثير من الدول العربية وغير العربية لصالحها حيث لم نسمع صوت رسمي معترض يخرج من قطر، عمان، الكويت، الإمارات العربية المتحدة، السودان، ليبيا وبعض الدول العربية الأخرى على كل ما جرى في البلدان العربية التي استهدفت من قبل إيران حتى هذا اليوم كما لم نرى تحركا مؤثرا للأحزاب والتجمعات العربية القومية ولو على مستوى خطابات مثل ما عمل أحمد الشقيري في ستينات القرن الماضي فقط!
ان ما حصلت من تطورات سياسية وعسكرية وأمنية على ساحة الشرق الأوسط عموما وعلى الساحة العربية – الإيرانية خصوصا والتي تدل معظم هذه التغييرات على تعاظم الدور الإيراني وتدخلاته الفعلية في الشؤون الداخلية للدول العربية ومع ما انكشف منها من سياسات توسعية وتدخلات طائفية ونفوذ امني واقتصادي وبشري محموم لصالح التوسع الإيراني، ومع معرفتنا التاريخية والسياسية وتجربتنا الفعلية للسياسة الإيرانية ومنذ تأسيس دولتها الحديثة قبل ما يقارب المائة عام حيث بدأت ذلك باحتلالها لمعظم الجزر العربية في الخليج وإسقاط إمارة المحمرة الأحوازية واحتلال ترابها، كل هذا يجعلنا متشائمين جدا لما ستئول إليه الأوضاع في المنطقة مستقبلا مع وجود إيران قوية حيث كل الدلائل تشير الى ان سياسة التوسع والتدخل والتمدد الإيرانية لن تقف مستقبلا عند حد ان استمرت الحالة العربية على ما هي عليه، حيث نتوقع حتى مطالبة إيران لهذه الدول بتغيير حكمها وحكامها لصالح إيران مثل ما طالبوا مؤخرا بحق الطائفة الشيعية بحكم البحرين بدل العائلة الحاكمة مع احترامنا لعروبة معظم أبناء هذه الطائفة وتمسكهم بوطنهم وبعروبتهم وامتعاضهم من التدخلات الإيرانية الهادفة لخلق الفتن هناك!
وكل مراقب لما يدور في المنطقة العربية هذه الأيام يرى بسهولة عدم تواجد عربي مؤثر فيها – سوى بعض التحركات الخجولة لبعض دولها سرا- لا في الموازنات الجديدة للقوى على الأرض ولا على مستوى التحرك الجماعي العربي أو الفردي الوطني لضمان سلامة بلدانهم مستقبلا ، وبقيت معظم الدول العربية مكتفية بتحالفاتها ومتكئة على دفاع الحلفاء الكبار وخصوصا الأمريكان عنها والواقع ان الحليف القوي هذا أصبح حد الأقل في المدى القصير مشلولا وعاجزا عن الدفاع عن نفسه مقابل ما يواجه من تحديات في المنطقة من المقاومة والقاعدة ومن قبل إيران وحلفائها مثل سورية وحزب الله وبعض المليشيات المتعاونة مع هذه الدول. ان العرب بمراهنتهم على الحلفاء من الغربيين يراهنون على حليف خاسر في المرحلة الحالية، يمكن ان يطور علاقته بإيران وينقلها من العداء الفعلي الى عقود مشاركة وصداقة معها، وهذا ليس غريب في السياسة والعلاقات الدولية وخاصة بالنسبة للأمريكان والإيرانيين.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا سيفعل العرب إذا؟
لا شك ان لا حل أمام الدول العربية المجاورة لإيران غير القيام بعمل دفاعي لحماية أنفسهم، حيث ان إمكان تعاملهم ومساومتهم مع إيران دون دفع ثمن، غير وارد، نظرا لمعرفتنا عن السياسة الإيرانية تاريخيا وفعليا على الأرض، ومن جانب آخر، الاتكاء على الحليف الأمريكي في ظروفه الصعبة الفعلية لا يطمئن، حيث احتمال المساومة إيرانية-أمريكية محتملة في المستقبل مما يعني ان هذا سيسبب للدول العربية المجاورة لإيران الخسائر ان لن يلتفتوا هم لأنفسهم ويقوموا بإجراءات احترازية لمنع التوسع الإيراني القادم. من جانب آخر، الجميع يعرف ان الحديث عن قوة ردع عربية في المرحلة الحالية للدفاع عن دول الخليج العربية مقابل التوسع الإيراني بقوته المتعاظمة هذه أمرا شبه مستحيل ولا يمكن للعرب في هذه المرحلة وبهذا التشرذم ان يفعلوا شيئا كثيرا خاصة وان أي مواجهة عسكرية أو أي حصار اقتصادي سيهز داخل هذه الدول بقوة ولأسباب بشرية وسكانية قبل ان تكون اقتصادية.
لكن مازالت تبقى هناك ورقة مهمة بيد الدول الخليجية والعربية، لو لعبتها بذكاء ستبعد بالتأكيد الخطر الإيراني عنها والى الأبد وهذا ما عليها ان تفعله وأن تخطط لتنفيذه في قصير الأمد وطويله حتى تحجم وتشل القوة الإيرانية وتمنع تدخلها بداية، وبالنهاية تنهيها تماما وتعود بالاستقرار والطمأنينة لشعوبها.

الورقة هذه هي ورقة الشعوب غير الفارسية والمعارضة الإيرانية، والتي تتمكن ان تقوم بإدخال السلطة في ايران في مأزق مرحليا وبالنهاية سينتج عن ذلك تضعيف السلطات هناك وقبولها لقبول حلول أفضلهما مر. هذه الحلول، أولها، ان تقبل السلطة بقبول مطالب الشعوب وبالنتيجة بحكومة فدرالية أوحد الأقل ليبرالية على نمط غربي غير إمبراطورية، بعيدة عن النزعة التوسعية الفارسية الصفوية الفعلية، أو أن ينتهي الأمر بتفكك إيران وتشكيل الشعوب المحيطة بالمركز الفارسي دولها المستقلة. هذه الدول هي التي ستبعد الخطر الإيراني عن جيرانه، و الى الأبد!

ان الشعوب غير الفارسية في إيران وخصوصا العرب والأكراد والبلوش والأذربيجانيين والتركمان الذين يناضلون منذ ما يقارب القرن للخلاص ، يبحثون عمن يساندهم لذلك. وهذا، يعتبر اقصر الطرق للوصول للهدف العربي وهو الأقل كلفة مع هشاشة الوضع الداخلي بسبب القهر القومي الذي تعانيه الشعوب وبسبب الوضع الاقتصادي المتدهور. التحرك العربي الخليجي في هذا الاتجاه من جانب، لا يعتبر هذا تدخلا في الشؤون الداخلية الإيرانية بل يأتي في إطار الدفاع عن النفس بعد تهديدات ايران المكررة لهذه الدول بقصفها بالصواريخ وهي تحتل فعليا جزء من أراضيها وترفض حتى التحكيم الدولي لحل مشاكلها مع هذه الدول، ومن جانب آخر، ليس من الضروري ان تتدخل هذه الدول بشكل مباشر في هذا الخصوص، حيث ان الشعوب والقوى المعارضة كل ما تريده هي مساندة مادية وإعلامية تحتاجها لنضالها ضد السلطات الإيرانية وليس السلاح والصواريخ والجيوش الجرارة! لهذا الغرض، بإمكان هذه الدول ان تحرك بعض المؤسسات المدنية أو الخيرية والإعلامية للقيام بهذا الواجب وهذا سيعطي ثماره بسرعة وسيضطر إيران لإعادة حساباتها وتحديد مستقبل علاقاتها بهذه الدول حيث ان موضوع الشعوب وخصوصا تحرك الشعب الأحوازي بقوة، سيكون له الأثر الكبير والسريع على مستقبل ايران بكاملة. ألسلطات في ايران تعي جيدا ان هذا يعني حرب تحرير للقوميات، تشارك فيه قوميات متعددة تحيط بالمركز الفارسي الإيراني، قادرة على شل أي نشاط سياسي واقتصادي وعسكري إيراني وبالنهاية إيقاف تمدده وتوسعه على حساب جيرانه حيث سيكون معظم ما تفكر به السلطات هو إسكات هذه الشعوب والتعامل معها وستصبح إيران بأمس الحاجة لتعاون دول الجوار معها في تهدئة الأوضاع الداخلية التي سيفلت عنانها من يد السلطات عاجلا إذا حصلت على المساندة التي تحتاجها للتحرك. وما أكثر الإمكانات عند هذه الدول لمساندة الشعوب!

ان مساندة الدول المجاورة لتحرك قوى الشعوب في إيران وتجمعاتها السياسية المنظمة والقوية فمليا، هي وسيلة هذه الدول لإبعاد الخطر الداهم لهذا الإخطبوط الذي يريد ان يمد اذرعه على ضفتي الخليج كلها ويلتهم المنطقة بقوة صواريخه وسلاحه النووي وبإيديولوجيته التوسعية الصفوية التي أطلاها بطلاء التشيع الإسلامي والتشيع عنه براء!

محمود أحمد الأحوازي