“الأحواز بلاد مختلفة عن فارس كاختلاف إسبانيا عن ألمانيا”, هذا اقتباس من كتاب “مذكرات ضابط سياسي في جنوب غرب بلاد فارس” لسير ويلسون المفوض المدني البريطاني في بغداد (1918-1920), واليوم بعد 89 عاماً من احتلال إيران للأحواز, لايزال الكثير من العرب يجهل كيف بدأ هذا الاحتلال. في ما يأتي ذكر لأهم الأسباب التي أدت إلى “تقويض الحكم العربي في الأحواز” على حد وصف المؤرخ حسين خلف الشيخ خزعل.
في نهاية الحرب العالمية الأولى, أخذت الشيوعية طريقها إلى إيران ما هدد المصالح البريطانية هناك, فأبدت بريطانيا مخاوفها من وصول روسيا إلى المياه الدافئة في الخليج العربي, وبدأت بحض طهران على توقيع معاهدة حماية (1919), غير إن محاولات بريطانيا لإبرام تلك المعاهدة باءت بالفشل, فهددت ملك ايران حينذاك, أحمد شاه, عند زيارته لندن, من أن ذلك سيؤدي به إلى فقدان عرشه, فعاد إلى طهران قاطعاً الزيارة, وفي طريق عودته عرج على المحمرة, ليزور الشيخ خزعل بن جابر حاكم الأحواز, شارحًا له الوضع السائد في إيران, وما لاقاه من ضغوط بريطانية, طالبًا منه أن يعضده ويحمي عرشه, فاستجاب خزعل وعاهده على ذلك, ومن هنا بدأ العد العكسي لاحتلال الأحواز.
كان الوضع في الأحواز حينها, هادئًا مستقرًا, منتعشًا اجتماعيًا واقتصاديًا, بينما عانت بلاد فارس من تدهور الحال مع قطع بريطانيا المنح المالية عنها, فحصدت المجاعة الفارسية الكبرى (1919-1917) أرواح تسعة ملايين نسمة, ولما فشلت حكومة فتح الله الرشتي بالوصول إلى تفاهمات مع بريطانيا, زعزع ذلك استقرار إيران, ما أدى إلى بروز رضا خان البهلوي العام 1921, وبدفع من بريطانيا قام بانقلاب عسكري وزحف على طهران, ليعين بعدها رئيسًا للأركان, ثم وزيرًا للدفاع, ويبدأ في سياسة الغزو والتمدد, اذ أرسل جيشًا ليستقر على حدود الأحواز, فاجتمعت كلمة خزعل ورؤساء البختيارية على صد تلك القوات, واشتبكت عشائر البختيارية مع ذلك الجيش وأفنته عن آخره, وهكذا فشلت محاولة رضا خان الأولى في غزو الأحواز.
هذا الفشل جعل رضا خان يستولي على رئاسة الوزراء, ثم توصل مع بريطانيا, التي كانت على عداء مع أحمد شاه, إلى خطة محكمة تنص على إثارة خزعل ضد إيران, حتى يتمكن رضا خان من ارسال الجيوش الإيرانية لغزو واحتلال الأحواز. وقد حصل ذلك بالفعل, فبعد عدد من التحرشات الإيرانية بالأحواز, أعلن خزعل ثورته ضد رضا خان, في رسالة نصت على”إنني لا اعترف بتوليك رئاسة الوزارة وأعتبرك شخصًا غاصبًا ما لم تسع الى إعادة الشاه إلى إيران, وعند عدم تلبية هذا الطلب فسأرسل جيشًا لاحتلال ايران وأدخل طهران فاتحًا واستدعي الشاه ليتسلم عرشه”.
بهذا نجحت بريطانيا في إثارة خزعل, ولما لم يكن أمام خزعل سوى الاستمرار, رفع شعار “إما لحودها وإما كراسيها”, فتوافد عليه 25 ألف مقاتل من الأحوازيين, فجهزهم بأسلحة حديثة ووزع عليهم المهمات, ثم دعا جيرانه من القبائل الإيرانية المعادية لرضا خان للاشتراك معه في تلك الثورة, فلبى دعوته يوسف خان ”أمير مجاهد” ثم وفد اثنان من رؤساء البختيارية وهما مرتضى قليخان, وشهاب السلطنة على رأس ثلاثة آلاف مقاتل ثم التحق بهم عدد كبير من أولئك الرؤساء حتى بلغ مجموع القوات المقاتلة في الأحواز العاصمة 35 ألفًا بين احوازيين وإيرانيين.
عندما اجتمعت تلك القوات لدى خزعل, أعلن حزبا سياسيا اسماه “حزب السعادة”, ثم قدم عريضة رسمية إلى عصبة الأمم سجل فيها دعوى ضد رضا خان رئيس وزراء بلاد فارس بالاعتداء على إمارته العربية المستقلة. كما أرسل عبر السفير التركي في طهران برقية إلى المجلس النيابي الإيراني يشكو فيها مضايقة رضا خان. أما الأخير, فأعلن في أكتوبر 1924 التعبئة العامة, فتقاطرت جميع الفرق الإيرانية على طهران ثم أمرها أن تسير إلى الأحواز, فزحفت تلك الجيوش بعد أن قسمت إلى أربع فرق, كل فرقة منها سارت في اتجاه لغزو الأحواز من كل نواحيها, وكانت هذه أكبر تعبئة شهدتها إيران الحديثة في تاريخها العسكري “قبل الحرب العراقية-الإيرانية”. للتصدي لهذا الغزو, تموضع جيش الأحواز على طول جبال البختيارية, وطيلة شهرين من المناوشات والقتال لم تتمكن الجيوش الإيرانية من اختراق حدود الأحواز وباءت جميع محاولاتها العسكرية بالفشل فما كان من رضا خان إلا أن التحق شخصيًا بتلك الجبهة.
عندئد تدخلت بريطانيا, وشرعت بتمثيل دور الوسيط المحايد, وطلبت من خزعل وقف القتال وحل النزاع بالطرق السلمية مقابل الشروط التي يرتضيها, وما إن وافق خزعل على ذلك حتى تم أسره مع ولده ولي عهده عبد الحميد في 18 أبريل 1925 فنفيا إلى طهران, فيما دخل رضا خان الأحواز محتلًا. وقد وردت في مذكراته, وصية لابنه محمد رضا شاه “لقد طهرت لكم شاطئ الخليج الشرقي من العرب, وعليكم مسؤولية تطهير الشاطئ الغربي منهم”.
 يعقوب زرقاني