بقلم :خيرالله خيرالله


هناك مقاومة لبنانية حقيقية للمشروع التوسعي الإيراني الذي ليس فيه ما يشير إلى أنّ مصيره سيكون أفضل من مصير المشروع السوري في ما يخصّ لبنان

ما يمكن استخلاصه من واحد وسبعين عاما من الاستقلال اللبناني أن الصيغة اللبنانية أقوى بكثير مما كان يعتقد، وذلك مع الاعتراف بأنّ حجم المخاطر التي تواجه الوطن الصغير في ازدياد، خصوصا في ضوء ما تشهده المنطقة من تحوّلات تاريخية. لا تذكر هذه التحولات سوى بمرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى وإعادة صياغة خريطة الشرق الأوسط
لبنان ضحية من ضحايا الزلزال العراقي في العام 2003، وهو زلزال أدى إلى اختلال كبير في التوازن الإقليمي لمصلحة إيران. كانت الترجمة الواقعية لهذا الزلزال على الأرض اللبنانية انتقال الوطن الصغير من الوصاية السوريةـ الإيرانية إلى الوصاية الإيرانية وذلك بعد انسحاب القوات السورية من لبنان في أعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط ـ فبراير 2005.
الآن، بعد مرور كلّ هذا الوقت، بدأنا نفهم أنّ الجريمة التي ذهب ضحيتها باني لبنان ما بعد انتهاء الحرب الداخلية وحروب الآخرين على أرضه، كانت عملية مشتركة. نفّذ الجريمة ورعاها النظام الأمني السوري ـ الإيراني ـ اللبناني الذي كان يتحكم بتفاصيل التفاصيل في البلد في مرحلة ما قبل استشهاد الرئيس الحريري ورفاقه
الآن بدأنا نفهم أيضا لماذا قال السيد حسن نصرالله الأمين العام لـ”حزب الله” في الثامن من آذار ـ مارس 2005، أي بعد ثلاثة أسابيع من حصول الجريمة، عبارة “شكرا سوريا”. هل أراد شكر النظام السوري على تغطيته الجريمة ومشاركته فيها، كما يظهر من الشهادات أمام المحكمة الدولية؟ هل أراد شكر النظام السوري على عدم فهمه المعادلة اللبنانية وإجبار نفسه بطريقة أو بأخرى على الانسحاب من البلد عسكريا بعدما اعتبر أنّ مجرّد اغتيال رفيق الحريري سيجعله يبقى في لبنان إلى الأبد؟ هل كان نصرالله يريد بالفعل شكر النظام السوري من أجل الحؤول دون انسحابه عسكريا من لبنان، بل كان يعرف تماما، على نحو مسبق أنّ الثمن المباشر للجريمة هو الانسحاب العسكري السوري وأن من يملأ هذا الفراغ هو “حزب الله” ولا أحد آخر غير “حزب الله”. والمعني بـ”حزب الله” ما يمكن وصفه بلواء في “الحرس الثوري” الإيراني عناصره لبنانية
في كلّ الأحوال، بدأ الانتقال إلى الوصاية الإيرانية مع تشكيل نجيب ميقاتي حكومته الأولى، مباشرة بعد اغتيال رفيق الحريري وقبل انسحاب القوات السورية من الأراضي اللبنانية في نيسان ـ أبريل 2005، أي بعد شهرين من الجريمة
للمرّة الأولى، يدخل “حزب الله” الحكومة اللبنانية عبر وزير محسوب عليه وذلك تمهيدا لتكريس ما صار يسمّى الثلث المعطّل. قبل ذلك، لم يكن الحزب يولي أهمّية للمشاركة في الحكومة، ما دامت الوصاية السورية تحافظ له على كلّ مصالحه. أراد بكل بساطة تأكيد أنّه وضع اللبنة الأولى للوصاية الإيرانية المباشرة التي نشهد حاليا في كلّ يوم فصلا من فصولها، خصوصا في ظلّ إصرار إيراني على منع انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية عبر استخدام أداة مسيحية متمثلة بالنائب ميشال عون
بعد واحد وسبعين عاما على الاستقلال، ما زال لبنان يقاوم على الرغم من أنّه من دون رئيس للجمهورية منذ الخامس والعشرين من أيّار ـ مايو الماضي. هناك مقاومة لبنانية حقيقية للمشروع التوسعي الإيراني الذي ليس فيه ما يشير إلى أنّ مصيره سيكون أفضل من مصير المشروع السوري في ما يخصّ لبنان. هذا لا يعني في أيّ شكل أن لبنان في وضع جيّد. على العكس من ذلك، إنّه في وضع لا يحسد عليه، خصوصا في ظلّ وجود ميليشيا مذهبية تبحث الآن عن شرعية لسلاحها الموجّه إلى صدور اللبنانيين، عبر الادعاء في أنّها تقاوم “داعش”. من يريد بالفعل مقاومة “داعش” لا يتورّط في الحرب الداخلية السورية من منطلق مذهبي بحت. من يريد بالفعل مقاومة “داعش” لا يزيل الحدود اللبنانية ويعتبر أنها لم تعد موجودة
نعم، اكتشف أهل المنطقة ومعهم العالم أن تركيبة لبنان بصيغته الطائفية ليست بالهشاشة التي يعتقدها كثيرون، بمن في ذلك بشّار الأسد نفسه. لبنان يمتلك مقومات المقاومة. لذلك، قاوم السلاح الفلسطيني وقاوم الاحتلال الإسرائيلي وقاوم الوصاية السورية وهو الآن يقاوم المشروع التوسّعي الإيراني الذي يستهدف تدمير مؤسسات الدولة اللبنانية الواحدة تلو الأخرى… وصولا إلى تكريس الفراغ الرئاسي
تبيّن أنّ ليس بين العرب المشرقيين، خصوصا، من يستطيع إعطاء دروس للبنان في شيء. سوريا التي عرفناها انتهت، كذلك العراق الذي كان أحد أعمدة النظام الإقليمي. مهّد سقوط العراق لزيادة زخم الهجمة الإيرانية التي استهدفت، بين ما استهدفت، لبنان ومؤسسات الدولة اللبنانية كلّها
ستزداد الضغوط على لبنان المستقلّ. ستعمل إيران على الإمساك بكلّ مفاصل الدولة اللبنانية مستخدمة سلاح “حزب الله” عندما تدعو الحاجة إلى ذلك، والدهاء السياسي حيث لهذا السلاح فعالية ما. تتقدّم إيران أحيانا وتتراجع في أحيان أخرى. تراجعت عندما وجدت أن المغامرة السورية لـ”حزب الله” ليست نزهة وأن الأوان لم يعد أوان غزوة جديدة لبيروت والجبل كما حصل في أيار ـ مايو 2008… أو افتعال حرب جديدة مع إسرائيل كما حصل في صيف العام 2006
قبلت إيران على مضض بتشكيل حكومة لبنانية برئاسة تمام سلام وصفها الرئيس سعد الحريري، منذ البداية، بدقّة ليس بعدها دقّة بأنّها حكومة “ربط نزاع″
بعد واحد وسبعين عاما من الاستقلال، يقف لبنان عند مفترق طرق. ما قد يزيد الوضع صعوبة تدفّق اللاجئين السوريين عليه. سيترتّب على لبنان في الأشهر المقبلة مواجهة المخاطر الناجمة عن سلاح “حزب الله” وتورطه في سوريا واستجلاب “داعش” من جهة العبء الناجم عن وجود مئات الوف السوريين داخل أراضيه من جهة أخرى
فوق ذلك كلّه، سيكون عليه التعاطي مع المشروع التوسعي الإيراني الذي يستهدف تغيير طبيعة النظام وطبيعة المجتمع بعدما نجح في تغيير طبيعة قسم كبير من المجتمع الشيعي وخطفه.
هل سيستسلم أمام الوصاية الإيرانية؟ الجواب المباشر أنّ اغتيال رفيق الحريري لم يحقّق النتائج المطلوبة، لا سوريا ولا إيرانيا. ورثت إيران سوريا في لبنان. هذا صحيح. ولكن، إذا كان من درس تمكن الاستفادة منه، فهذا الدرس لديه ملخص واحد هو أن ليس بالإمكان الاستخفاف بلبنان، لا بمسيحييه ولا بمسلميه.
من كان يتصوّر أن المسلحين الفلسطينيين سيغادرون يوما لبنان؟ من كان يتصوّر مشهد القوات السورية تجتاز نقطة الحدود عن المصنع وغيرها من النقاط؟ نعم، النظام الإيراني أكثر دهاء من النظام السوري. هذا أمر مفروغ منه. ولكن هل يكفي اغتيال رفيق الحريري، في سياق الاحتلال الأميركي ـ الإيراني للعراق، كي تصبح بيروت مدينة إيرانية على المتوسّط وكي تجد إيران بديلا من اتفاق الطائف؟