images

في ذكرى رحيل القائد العربي الشيخ خزعل الكعبي

نكبة الأحواز العربية سابقة على نكبة فلسطين بنحو ربع قرن من الزمن

في السادس والعشرين من شهر مارس عام 1936 هوى نجم من نجوم الحركة القومية العربية في الشرق العربي والخليج العربي , فقد رحل قبل 74 عاما في معتقله بطهران آخر زعماء الأمة العربية في إقليم عربستان ( الأحواز ) الذي احتله نظام الشاه الإيراني المقبور رضا بهلوي في العشرين من إبريل عام 1925 في ظل مؤامرة صمت دولية رهيبة وتواطؤ بريطاني خبيث والذي ترافق مع عجز قومي شامل آنذاك وبسبب تفكك الجبهة الداخلية الأحوازية أيضا التي لم تضع في حسبانها السيناريو الاحتلالي والاستيطاني الخبيث الذي رسمه النظام الشاهنشاهي الإيراني البائد, وهويحاول إحياء أطماعه القومية المريضة عبر تكوين الإمبراطورية الإيرانية الحديثة على جثث ودماء شعوب المنطقة.

لقد رحل في مثل هذا اليوم الزعيم الأحوازي الكبير الشيخ خزعل بن جابر بن مرداو الكعبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس طيلة العقد الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين , والذي رسم بسياساته وتحركاته وتاريخه الصورة الستراتيجية لذلك الزمان العربي وشكل مع الشيخ مبارك الصباح في الكويت, ومع زعماء محليين آخرين مثل السيد طالب النقيب في البصرة محورا سياسيا وإقليميا فاعلا ومؤثرا في فترة مهمة من التكوين السياسي للعالم وقتذاك وحيث برزت إمارة عربستان العربية في شرق العالم العربي وشمال الخليج العربي لتكون الرقم الستراتيجي المهم وقتذاك في المنطقة, وليترك الشيخ خزعل كصنوه وصديقه الشيخ مبارك الكبير بصماته الواضحة في التشكيل القيمي والتاريخي في الشرق الأوسط , فليس مصادفة أبدا أن يرتبط صعود نجم الشيخ مبارك, ذلك الرجل الأسطوري الذي وضع الكويت الصغيرة وقتذاك على مسرح السياسة الدولية مع صعود زعامة الشيخ خزعل في الأحواز وعربستان , فقد عمل القائدان العربيان التاريخيان بهمة وعزم وتفرد من أجل تحقيق مصالح إمارتيهما الطموحتين, بل ان الصداقة الوثيقة التي نشأت بين الرجلين التاريخيين كانت تعتبر بحق نموذجا لتحالف ستراتيجي وثيق كان من شأنه أن يتطور لو إبتعدت أوخفت حدة التدخلات الخارجية لينتج وحدة سياسية واقتصادية عملاقة وجبارة في شمال الخليج في الدولة التي كان القائدان يطمحان لقيامها في الخليج العربي وهي دولة شمال الخليج التي أوشكت أن تضم الكويت والبصرة وعربستان في أول مشروع وحدوي عربي تم إجهاضه من الدوائر الغربية عام 1913 والذي لو تحقق لتغير وجه المنطقة رأسا على عقب ! المهم أن رحيل الشيخ خزعل المأساوي على يد أجهزة نظام الإحتلال الإيراني قد جاء بعد أحد عشر عاما من الأسر والعزل والامتهان في إقامات النظام الإيراني القسرية حيث تؤكد الروايات التاريخية أن الشيخ خزعل كان قد قضى إغتيالا بالسم أوالخنق بهدف إنهاء الزعامة التاريخية والشرعية للدولة العربستانية الأحوازية المستقلة التي فقدت شخصيتها ووجودها الدستوري والشرعي والواقعي مع الاحتلال الإيراني الغادر والمخادع عام 1925,حيث كانت نكبة العرب الكبرى الأولى ليس في فلسطين كما تذكر كتب التاريخ المدرسي العربي, بل في الأحواز التي كانت نكبتها فاتحة النكبات والتي سبقت مأساة ضياع إقليم الإسكندرون العربي السوري المحتل على يد النظام التركي الأتاتوركي عام 1939 ثم كانت ثالثة الأثافي في ضياع فلسطين عام 1948, أي أنه قد كان هناك تسلسل تاريخي لقضم الأمة العربية كان بدايته مع إقليم الأحواز العربي السليب الذي ذبحت حرية شعبه على مذبح الاحتلال الإستيطاني الإيراني الفارسي الحاقد.

لقد ارتبطت الهوية العربية للأحواز وعربستان بحكم الشيخ خزعل الكعبي الذي كان لأهميته التاريخية ودوره السياسي في المنطقة ما رشحه لأن يكون أحد المرشحين لعرش العراق, ذلك الكيان الجديد الذي نشأ بعد الحرب الكونية الأولى عام 1921 قبل أن يقع الاختيار البريطاني تحديدا والذي توافق مع إرادة شعبية عراقية على الشريف الملك فيصل الأول الذي اختارته الأمة العراقية ملكا دستوريا عربيا لتلك المملكة الناشئة الجديدة بعد قرون طويلة ومظلمة من الحكم الأجنبي منذ سقوط بغداد العباسية عام .1258

لقد سقط حكم الشيخ خزعل العربي وتسنى لنظام رضا بهلوي العنصري والقومي الفارسي المتطرف السيطرة التامة والكاملة على إقليم الأحواز بسبب تداخلات السياسة الدولية والصراع البريطاني السوفياتي للهيمنة على المنطقة وبسبب تحلل القوى الداخلية العربية في الأحواز وعدم وجود المشروع القومي العربي الذي يحمي عروبة المنطقة , كما أن العالم العربي وقتذاك كان مشغولا بالكامل في الصراعات البينية التي أدت إلى نشوء دول وإختفاء أخرى, وكان ضياع الحكم العربي في الأحواز واحدا من أكبر النكبات في تاريخ العرب الحديث التي لم تزل الأمة العربية تعاني من آثارها حتى اليوم, خصوصا إن سنوات الاحتلال الإيراني الطويلة ( 85 عاما ) رغم كل قسوتها المفرطة التي هدفت إلى قطع شأفة الوجود العربي لسانا وثقافة وتفكيرا لم تستطع إنهاء الإرادة الشعبية الأحوازية الهادفة للحرية والاستقلال وحق تقرير المصير, وهوحق مقدس لجميع الشعوب , لقد قتل الاستعمار الاستيطاني العنصري الفارسي الشيخ خزعل جسدا ولكنهم لن يستطيعوا أبدا إنهاء رمزيته أوالتخلص من ذكريات أيام ولايته التي حفلت بأحداث تاريخية وأحداث خالدة ومصيرية شكلت فيما بعد تاريخ المنطقة الخليجية والعربية , إن روح الشيخ الشهيد الشيخ خزعل ترفرف اليوم, وهي تحيي كفاح الشعب العربي الأحوازي وتبارك تضحيات شهدائه الكرام من الشباب العربي الأحوازي الحر الذين اختاروا سلوك طريق الأشواك والشهادة والتضحية من أجل حرية الشعب العربي في الأحواز, وهي حرية مقدسة تتضاءل أمامها كل التضحيات , وفي ذكرى رحيل القائد العربي الأحوازي الشهيد الشيخ خزعل الكعبي, فإننا نتطلع إلى اليوم الذي نرى فيه راية الحرية والاستقلال الوطني خفاقة فوق ربى الأحواز العربي الحر السائر نحو النصر والانعتاق بعون الله ورغما عن إرادة برامكة ودهاقنة العصر الجديدفحرية الأحواز ستنزع من مخالب الطغاة والدجالين .

كل التحية والإجلال لشهداء حركة التحرر الوطني الأحوازي وعلى رأسهم القائد الرمز الشهيد الحي الشيخ خزعل الكعبي طيب الله ثراه والذي ستظل ذكراه الخالدة قبسا من نور يهتدي بشعاعه المناضلون الأحوازيون من أجل الحرية المقدسة التي ستكون عنوان المرحلة المقبلة .. حرية الأحواز هي الحقيقة الخالدة التي ستبدد ظلام الاستعمار الاستيطاني العنصري.

* كاتب عراقي

dawoodalbasri@hotmail.com