في حوار أجرته الصحافة الغربية مع تركي الفيصل أحد القادة السعوديين، يقول: بأن الحرس الثوري الإيراني يعلن أن أربع عواصم عربية بيده ويقصد بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. وعندما نستعرض الصحافة الإيرانية لا نلمس أي تواضع فيما يتعلق بالشرق الأوسط. ولكننا لا نستطيع تجاهل “العقل الأعلى” الذي يكمن وراء “نجاحات” إيران المرحلية هذه

غضت الولايات المتحدة الأمريكية الطرف عن السياسة الوحشية التي انتهجتها إدارة المالكي السابقة بتنظيف الدولة من السنة تماماً. كثير من القوات الخاصة والميليشيات الإيرانية تقاتل إلى جانب الجيش العراقي بإذن من الولايات المتحدة الأمريكية ودعمها. ومن المعروف أيضاً أن الطائرات الإيرانية تدخل المجال الجوي العراقي تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية وتقصف المتمردين السنة. وأكّد هذا من الطرف الإيراني (الجنرال جزائري) والناطق باسم البنتاغون (الأميرال كيربي). وأقوى الأدلة على هذا الأمر الصور التي التقطها قائد جيش القدس قاسم سليماني مع البشمركة والجيش العراقي

دارت على ألسنة كثيرين وعلى رأسهم المراكز الغربية قضية المقاتلين الأجانب الذين يقاتلون إلى جانب المتمردين السوريين. حسنٌ، أليس الجنود الإيرانيون والمليشيات العراقية وحزب الله اللبناني… إلخ الذين يقاتلون إلى جانب الأسد أجانب؟ حسنٌ، هل تعلمون أن الميليشيا الأكثر قرباً من الأسد هي جبهة تحرير لواء الإسكندرون؟ في هذه الجبهة كثير من المواطنين الأتراك الذين يدّعون أنهم “أتاتوركيون ووطنيون”. لقد وصل من الجنود ورجال الدين الإيرانيين إلى هذا البلد أعداد كبيرة جعلت العلويين-النصيريين يضجون تجاه الدعاية الشيعية-الإيرانية. كل هذا يتم تحت أنظار الولايات المتحدة الأمريكية. النظام السوري الذي أسقط طائرة تركية بحجة تجاوزها مجاله الجوي لكيلومترين أو ثلاثة تسمح بوضوح للولايات المتحدة الأمريكية بقصفها. وقد نقل عن طياري بعض دول التحالف أنهم يشعرون بالانزعاج من القصف الذي يبدو منسقاً بين طائرات الولايات المتحدة والأسد

ومعروف بأن الهجمات الإرهابية التي يشنها حزب الله الشيعي ضد السنة في بيروت تبقى دون أي ردة فعل. وعلى مرأى من الجميع احتلت المليشيات الشيعية اليمنية التي سلحتها إيران بأسلحة ثقيلة صنعاء، وبدت أنها دخلت هذه المدينة تحت حماية جوية أمريكية. ما يكمن وراء تباهي الإعلام الإيراني بالإمبراطورية الفارسية هو السيطرة على أربع عواصم عربية

سياسة إيران إزاء أفغانستان وباكستان وأفريقيا موضوع آخر، ولكن المشهد هو أن الولايات المتحدة الأمريكية دفعت بالورقة الإيرانية في الحرب الجديدة التي بدأتها من أجل دعم بنيتها المالية الخربة والصناعات العسكرية لديها

لعل هناك ممن ارتبط بالاستراتيجية الأمريكية والرأسمالية العالمية (في تركيا) يقول: “يا ليت الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت الورقة التركية بدلاً من الورقة الإيرانية”، وهذا كان الهدف من ضجة كوباني والحملة الإعلامية تحت عنوان: “أنقرة تدعم داعش”. ولكن لمعرفة ما حل بالذين يقدمون أنفسهم أوراق لعب يكفي النظر إلى الخمسة وثلاثين عاماً التي مضت، ورؤية ما حل بأفغانستان وعراق صدام حسين بعد أن استُخدما. لا أريد أن أتصور ما يمكن أن يحل بتركيا لو دخلت بالتحالف الأمريكي وفق ما يطرحه عملاء النفوذ الأجنبي المتربعين في الزوايا الرئيسة

إلى جانب هذا هناك سبب آخر لتسليم إيران نفسها مغمضة العينين “لعقل أكبر” هو صراع جارنا الشرقي هذا مع أزمات اقتصادية ومناخية كبرى. خفض أسعار البترول بمبادرة سعودية يجبر إيران على سياسة جديدة بعد أن أنهت الحصار الاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة عليها على مدى سنوات طويلة. غير هذا فإن الجفاف الناجم عن ارتفاع الحرارة العام أدخل إيران في حالة ظمأ رهيبة. يقول العلماء بأن جفاف بحيرة أرومية الشهيرة وبعض المياه الجارية بنسبة خمس وتسعين بالمائة يمكن أن يحوّل إيران إلى صحراء في المستقبل القريب

إنها نموذج جيد لرؤية برودويل التاريخية الذي يعتبر أن التطورات المادية المناخية والسكانية والاقتصادية تلعب دوراً أهم من العوامل الفكرية في التغيير التاريخي. ويبدو بأن الثورة الإسلامية ستنتهي على الطريقة التي انتهت فيها الإمبراطورية الفارسية عبر التغيير المناخي والاقتصادي