الكراهية العرقية المتأصلة في سايكولوجية الشخصية الفارسية لها جذور عميقة ممتدة من الماضي السحيق إلى عصرنا هذا، ولها حضور واضح في كل ما يرتبط بالفرس، في أدبياتهم القديمة والحديثة، وفي مناهجهم التعليمية، وفي مواقفهم وسياساتهم، فمعاداة العرب والثقافة العربية سمة بارزة في الدولة الإيرانية عبر كل مراحلها، لأن العربي في ثقافتهم نقيض الفارسي والفكر الشعوبي يسري في عروقهم
من النماذج الشعرية التي تكشف عن عقدة الكراهية الفارسية للعرب ومدى احتقارهم واستهزائهم بالشخصية والثقافة العربية هي ملحمة “الشاهنامة” كتبها في القرن الرابع الهجري أبو “قاسم الفردوسي” في ستين ألف بيت، والفردوسي من قادة الحركة الشعوبية، والعجيب أنه مسلم
“الشاهنامة” تُعدُّ الملحمة الشعرية للفُرس ويعتبرها الكثير قرآن الفرس، وقد حظيت بتمجيد الرؤساء والزعماء الإيرانيين والمؤسسات والحوزات الدينية في قم، يبصُق الفردوسي فيها على الزمان الذي سمحَ للعربي، آكلِ الجراد وشارب أبوال الإبل (كما يصفُهُ) بالقدوم إلى فارس، ويتغنى بقول رستم: “تفّ تفّ لك أيها الفلك الدوار؛ العرب الحفاة العراة آكلو الضباب يدوسون أرض إيران الجميلة” وعبر فيها عن نقمته على الزمان الذي جعل العرب حكاما وملوكا حيث يقول: “سحقا لك أيها الزمان الذي بلغ فيه العرب الذين يأكلون الضب ويشربون لبن البعير أن يطمحوا في تاج الملك)، مع أن الرسول وعلي من العرب وهم يدعون حب أهل البيت
أما في الأدب الحديث المعاصر نكتفي بقصيدة للشاعر الإيراني مصطفى بادكوبيه الذي درس في حوزة قم، يتناول فيها العرب بأبشع الصفات بل تجد فيها أيضا نقمة على الإسلام، واعتراضا واضحا على إرادة الله لأنه بعث الرسالة وأنزل القرآن بلغة العرب وفي ارض العرب، بل تجد كفرا واضحا وجليا، فقد نظم قصيدته بعد أن سمِعَ برنامجاً تلفزيونياً يتحدَّثُ فيهِ الضيفُ عن العربية وأنها لغة أهل الجنَّة استناداً إلى حديثٍ النبي الكريم “صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم” يدعو فيه إلى تعلُّم العربية، لأنَّ القرآن الكريم عربي والنبي الكريم عربي ولأنَّ لغة أهل الجنَّة العربية، فما كان من “مصطفى بادكوبيه” إلا أن هجم على العرب في التاسع والعشرين من آذار من عام 2011 في محفلٍ أدبي بقصيدةٍ شعريَّةٍ حيثُ تناول العرب بأبشع الأوصاف، بل ذهبَ إلى ابعد من ذلك حيث طلبَ من الإله العربي الذي يعبُدُه العرب (على حد تعبيره) أن يحشره في النار إذا كانت لغةُ أهل الجنَّةِ هي العربية، ويشترط على الله “جل وعلا” أن لا يكون في النار عربي قط . حيث يقول: “خذني إلى أسفل السافلين أيُّها الإله العربي، شريطةَ أن لا أجدَ عربيَّاً هناك”.
لاحظ كيف يخاطب رب العالمين بقوله: الإله العربي، فهل يوجد كفر وإشراك أوضح من هذا، وهل يوجد جرأة ووقاحة واستخفاف بالذات الإلهية والجنة والقرآن والنبي والعروبة أكثر من هذا، وهل يوجد اعتراض وتذمر أوضح من هذا، وهل يوجد حقد دفين وكراهية للعرب أبشع من هذا، لدرجة أنهم يكفرون بالذات الإلهية لأن النبي والإسلام والقرآن عربي وفي ارض العرب وكذا الكعبة كما سنرى.
وفي موضع أخر يدعو الإيرانيين إلى ترك فريضة الحج ويسخر من الذات الإلهية والكعبة المشرفة بغضا بالعرب، ولأنها في ارض العرب حيث يقول “أترك هذا الجهل والكسل، ولا تدعم الشيخ السعودي، إن الله ليس في كعبة العرب”
ملحمة (الشاهنامة) وقصيدة “مصطفى بادكوبيه” وغيرها مما لم نذكره، لا تعبر عن وجهة نظر شخصية كما قد يتصور البعض بل إنها تمثل عقيدة راسخة في العقلية الفارسية إلا ما رحم ربي، فهذا احمدي نجاد (الذي يعده الكثير من المتعربين المتزلفين لإيران كأنه عليُ في تواضعه وزهده) يعتبر صاحب ملحمة (الشاهنامة) منقذ منهج نبي الإسلام ويعتبر الأمة الإيرانية هي خير من حمل الإسلام إذ يقول: “لقد أنقذ الفردوسي منهج نبي الإسلام والنبي الأعظم ومدرسته واستخلص عبء هذه الرسالة العظيمة من قبضة أناس لم يكونوا أهل لحملها، ووضعها على عاتق الأمة الإيرانية وكانت هذه الأمة خير من حمل الرسالة وقدر المسئولية”،ونحن لا نعجب صدور هذا من نجاد، لأنه قال اخطر منه، حينما اعتبر الانتماء للإيرانية قبل الإسلام حيث قال: “أن الانتماء في هذا البلد يجب أن يكون للإيرانية أولا ومن ثم للإسلام ثانياً”
وأما قصيدة “مصطفى بادكوبيه” الذي يُعتَبَر الشاعر الأول في إيران فقد تم إلقاؤها على منبر حكومي إمام أنظار الدولة الإسلامية التي تدعي الإسلام والتشيع ولاقت إقبالا جماهيريا وثقافيا ورسميا
ومن هذا يتضح السر وراء سعي إيران الجاد إلى تقويض العروبة، ومحو الثقافة العربية، وطمس هويتها وانتزاعها من شخصية المواطن العربي، وقمع وإسكات كل صوت عروبي وإسلامي معتدل بل كل من لا ينحني ويسجد لها متخذة من الٍإسلام والمذهب ذريعة وشماعة
إن عقدة الكراهية والنزعة الشعوبية مثلما كان لها تجليات في الأدب والشعر الفارسي، لها تجليات في السياسة الداخلية والخارجية التي انتهجتها وتنتهجها إيران تجاه امة العرب بل الإسلام المحمدي، ومن تجلياتها و نتائجها هو التمدد الإيراني في المحيط العربي، ودعمها لكل ما يعمل على زعزعة الأمن والاستقرار في الدول العربية والإسلامية، وسعيها إلى تأسيس وتركيز إمبراطوريتها الهالكة التي صرح عنها المسؤولون الإيرانيون وما جري ويجري في سوريا واليمن والعراق عاصمة إمبراطوريتها خير شاهد ودليل، يضاف إلى تدخلاتها في لبنان والبحرين والسعودية وغيرها
يقول المرجع العراقي العربي الصرخي الحسني: ((إيران تسعى لتحقيق مشروعها بغض النظر عن الأشخاص والمسميات والتجمعات)). ويقول أيضا: (( فلابد من موقف جادّ شجاع من الدول الإسلامية وشعوبها لإيقاف هذا التمدد الامبراطوري الشعوبي العنصري القاتل واياكم اياكم من تكرار الأخطاء))
بقلم
احمد الدراجي