من المعروف عن الساسة الإيرانيين، النفس الطويل والحنكة الدبلوماسية والمراوغة واستغلال الظروف في تمرير أجنداتهم ومشاريعهم الاستراتيجية بعيداً عن الضجة والصخب الإعلامي والعمل في الظل وإخفاء النوايا معتمدين على مبدأ (التقية) الديني الذي مارسوه لقرون عدة، لذلك عندما استلم الملالي السلطة في إيران عام 1979 أعلنوا بأنها ثورة المستضعفين وثورة إسلامية ولا تنحصر جغرافيتها في إيران الإسلامية، وإنما سوف تمتد بظلالها إلى كل العالم الإسلامي للتخلص من جبروت الشيطان الأكبر أمريكا وحلفائها الغربيين والجسم المزروع في قلب العالم الإسلامي إسرائيل والذين ينهشون في جسد الأمة الإسلامية وينهبون خيراتها، ولكي تبعث الطمأنينة في نفوس الجماهير العربية والإسلامية وإخفاء نواياها الطائفية، أعلنت إغلاق السفارة الإسرائيلية والأمريكية في طهران ليحل محل السفارة الإسرائيلية السفارة الفلسطينية ورفع العلم الفلسطيني فوقها، وبالتأكيد فإن هذا الموقف لاقى استحساناً وقبولاً في الشارع العربي والإسلامي معاً وفتح المجال أمامها للعب دور الحاضن للقضية الفلسطينية وقدمت بعض أنواع الدعم المادي للثورة الفلسطينية لكسب ودهم، لكن اللعبة لم تنطلي على مصر السادات/ مبارك والدول الخليجية والعراق، وعبروا عن تخوفهم من التمدد الشيعي الإيراني في العمق العربي فكانت الحرب العرقية /الإيرانية والتي استمرت ثماني سنوات بدعم مصر العسكري والمادي الخليجي للعراق ووقفت معظم الدول العربية إلى جانب العراق باستثناء سوريا التي وقفت إلى جانب إيران وكان واضحاً النفس الطائفي من وراء موقف النظام السوري، واستطاعوا لجم الطموحات الإيرانية إلى حد كبيرو إنهاك إيران عسكرياً واقتصادياً وبرضى أمريكي، إلا أن الفرصة الذهبية سنحت لإيران للتحرك في الضفة الأخرى وذلك بفتح قنوات اتصال مع إسرائيل بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان وضرب المقاومة الفلسطينية في بيروت بقسوة مفرطة ومن ثم احتلالها وطرد المقاومة منها فعملت على خطين متناقضين ظاهرياً لكنهما يكملان بعضهما البعض على المدى الإستراتيجي

أولهما: عقد صفقة مع إسرائيل في مساعدتها على إنهاء دور المقاومة الفلسطينية في لبنان وذلك بمنع تسلل الفدائيين إلى الشمال الإسرائيلي من الجنوب وذلك عبر بتشكيل نواة قوة عسكرية شيعية في الجنوب اللبناني (حزب الله) 1983 وتوكيل إنهاء دور المقاومة في البقاع والشمال اللبناني إلى النظام السوري فكان انشقاق فتح بزعامة أبو موسى وبدعم عسكري سوري وطرد أنصار عرفات من طرابلس ومخيمات نهر البارد والبداوي 1983، مقابل تسليح الجيش الإيراني بمعدات عسكرية وقطع الغيار للطائرات الإيرانية الأمريكية الصنع والتي سميت فيما بعد بـ (إيران/ غيت) وتم تسليم الملف اللبناني الداخلي بشكل كامل لسورية يفعل به ما يريد والتخلي عن أنصاره المسيحيين في الجنوب (سعد حداد/ انطوان لحد)

وثانيهما: إضعاف منظمة التحرير داخلياً والانتقام من رئيسها ياسر عرفات نتيجة وقوفه إلى جانب العراق في حربها مع إيران فقامت بدعم حركة الجهاد الإسلامي بالإمكانات اللازمة للوقوف على قدميها أولا وكذلك العمل على تأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) 1987 وقيام هاتين المنظمتين بعمليات عسكرية متطرفة ضد المدنيين الإسرائيليين، مما أربك ذلك الدبلوماسية الفلسطينية على الصعيد الدولي بشكل كبير وإظهارها بمظهر غير القادر على السيطرة على الساحة الفلسطينية وسحب البساط من تحتها وإرباكها بالصراع الداخلي والمستمر حتى اليوم

ولعل أسطع دليل على هذه الصفقة (المؤامرة) ما صرح به صبحي الطفيلي رئيس حزب الله السابق ويبدو أنه كان خارج اللعبة عندما قال في خطاب له في بعلبك (وفجأة وجدنا أنفسنا بأننا أصبحنا حراساً لإسرائيل) ومن ثم هرب إلى طرابلس وما المناوشات التي تتم في جنوب لبنان بين حزب الله واسرائيل بين كل فترة وأخرى إلا من أجل إبقاء حزب الله في موقف المدافع عن القضايا اللبنانية ضد الأطماع الإسرائيلية، إلا أن ورقة التوت الإيرانية سقطت في بحر دماء الثورة السورية، بعد ذلك أتت الفرصة الثانية لإيران عندما قررت أمريكا ضرب النظام العراقي في 2003وقدمت إيران كل ما هو مطلوب منها أمريكياً للمساعدة في إنهاء النظام العراقي ولا سيما أن النظام العراقي فَقد كل الدعم العربي له بسبب احتلاله للكويت في 1990 وأفسح المجال للسيطرة الشيعية على العراق وهم حلفاء إيران التقليديين وتحولت العراق اليوم إلى محمية إيرانية بامتياز وبذلك أصبح الطريق سالكاً ومعبداً من قم حتى بيروت مروراً ببغداد ودمشق وعليه لم يعد غريباً أن نسمع من قائد عسكري من الحرس الثوري الإيراني بأن هذه هي المرة الثالثة يصل إيران الى ساحل البحر المتوسط، بعدها تفرغ إيران للنخر في جسد دول الخليج العربي واليمن فاستغل وجود الكتل الدينية الشيعية في هذه البلدان وتحركت سراً وبهدوء في تشكيل مجموعات سرية موالية لها في معظم الدول الخليجية واليمن وطفت على السطح دعمها المباشر للحوثيين في اليمن والشيعة في البحرين وهناك محاولات قوية لزعزعة الإستقرار في السعودية والكويت أيضاً، كما أن عمان أصبحت في وضع لا يحسد عليه من السيطرة الإيرانية، أما في مصر وليبيا والسودان فقد مدت يدها إلى الإخوان المسلمين في هذه البلدان ونسجت معهم علاقات قوية بغية الاستفادة منهم وتمرير اجنداتها السياسية من خلالهم وهللت كثيراً لنجاح مرسي برئاسة الجمهورية في مصر وزيارته لطهران والعمل على بناء علاقات متطورة بين القاهرة وطهران، عندها أدرك السعوديين خطورة الموقف المصري الجديد وانعكاسه سلباً على مجمل الدول العربية ووقوعها تحت هيمنة نظام الملالي في طهران، لذلك تحرك السعوديون بسرعة فكان إنقلاب السيسي السلس في مصر وبدعم كبير من الشعب المصري وزج بمرسي في السجن ولا يزال يحاكم بتهم عدة، لكن إيران لم يردع ولن يردع وسوف يستمر في خلق الإضطرابات في كافة الدول العربية التي تقف في وجه مشروعها التمددي في قلب الوطن العربي، ومن أجل ذلك يستميت في الدفاع عن النظام السوري ويعلنها صراحة بأن الحرب في سوريا هو حرب إيران دفاعاً عن المصالح الإيرانية في المنطقة، لأن انهيار النظام السوري بعد مصر الإخوان يعني فشل المشروع الإيراني في المنطقة العربية ومن أجل ذلك دفعت بقواتها من حزب الله، وأبو الفضل العباس، والحرس الثوري من أجل الدفاع عن حليفه بشار الأسد

وعليه نستطيع القول بأن الصراع الدائر الآن في سوريا هو في الجوهر صراع عربي/إيراني، وبالتالي ليس من العدل أن يدفع الشعب السوري وحدهم ضريبة هذه الحرب الإيرانية القذرة وتكتفي بعض الدول العربية بتقديم المساعدات الإنسانية للشعب السوري وبعضها الأخرى تقف موقفاً خجولاً والأخرى داعمة للنظام السوري/الإيراني في حربهم على الشعب السوري، بينما الموقف يتطلب دعماً عسكرياً وسياسياً ومادياً للوقوف معاً في وجه التمدد الإيراني الذي لا حدود لطموحاته في التوسع داخل الجغرافية العربية

كلنا شركاء