الإستراتيجية الإيرانية المعاصرة الموجهة للأقطار العربية

د.خالد المسالمة

عندما شعر حكام إيران أن الشباب العربي من أبناء الطائفة الشيعية أصبحت تتكاثر أعدادهم في أوساط الأحزاب القومية والأحزاب اليسارية في الدول العربية، وعندما تكاثرت أعداد الشباب الشيعي المتمرد على سلطة الحوزات الإيرانية والحوزات الدينية المرتبطة بإيران من خلال الإنفتاح على الأفكار السياسية والأديولوجية الأخرى، دق ناقوس الخطر في دوائر الحكم الإيرانية. فبخروج الشباب الشيعي من “غيتو” الانعزال المذهبي سيفقد حكام إيران التربة الخصبة وأدواتهم السهلة في تدخلهم في الشؤون الداخلية في المجتمعات العربية. قررت مراكز صنع القرار في إيران وقررت معها المرجعيات الدينية الشيعية في إيران والعراق ولبنان المرتبطة والموالية للدولة الإيرانية استعادة هؤلاء الشباب من الأحزاب الوطنية والقومية واليسارية والزج بهم مرة أخرى في داخل أسوار الأحقاد الطائفية المقيتة. عندما شعر قادة إيران أن الشباب العربي الشيعي أصبح يسير في طليعة الحركة القومية التحررية العربية وأصبح كم كبير من قادة هذه الحركات الوطنية والقومية واليسارية من أبناء فقراء الشيعة العرب تحركت المؤسسات الإيرانية بشكل مباشر لقطع الطريق على أبناء الشيعة العرب التحررية الجديدة

فقد عملت حكومات إيران منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين على إنشاء وتأسيس أحزاب ذات توجهات طائفية في عدد من الأقطار العربية. فقد بلغ عدد الأحزاب التي سعت الحكومات الإيرانية المتعاقبة على تشكيلها ورعايتها في أقطار الوطن العربي خلال الخمسة عقود الأخيرة إلى اكثر من ثلاثين حزب ومنظمة سياسية. وساعدت إيران مادياً وإعلاميا اكثر من عشرين حزب ومنظمة عربية كانت قائمة
السمة العامة التي تغلب على الأحزاب والمنظمات السياسية التي ساهمت إيران في إنشائها في أقطار الوطن العربي كانت دائماً سمة الأسس والأهداف الطائفية والعرقية وكذلك الإنعزال والإنغلاق الذاتي. ولم يعرف أن ساهمت إيران في إنشاء حزب أو منظمة سياسية تتبنى مبدأ وحدة الوطن أو وحدة الأمة العربية أو الأمة الإسلامية. هذه الحقيقة لم تأتي بمحض الصدفة، بل هي استراتيجية ثابتة في المشروع الوطني الإيراني والمشروع القومي الفارسي الذي لا يجد حرجاً في التشديد على البعد الطائفي للكيان الإيراني القائم واختلاطه وانسجامه مع البعد القومي الفارسي للدولة، وذلك  منذ تأسيس الدولة البهلوية  في عام 1925 . وقد نص الدستور الإيراني على في مادته الرابعة على أن دين الدولة الرسمي الدين الإسلامي الجعفري. ونص نفس الدستور على أن رئيس الدولة يجب أن يكون من أتباع المذهب الجعفري. وأن رأس الدولة هو الولي الفقيه المنبثق من فقه المذهب الشيعي الجعفري
كان أهم هذه الأحزاب الطائفية والإنعزالية التي أقدمت إيران على تأسيسه عام 1958 من عناصر إيرانية وعراقية في طهران هو حزب “الدعوة الإسلامي”. جاء تأسيس حزب الدعوة في حينه رداً على قيام ثورة 14 تموز العراقية التي قادها التيار القومي العروبي وتم فيها اسقاط نوري السعيد وحكومته وتأسيس الجمهورية في العراق. أن خمسة أشخاص من اصل سبعة من مؤسسي حزب الدعوة الإسلامي الشيعي هم من الإيرانيين. وكما تؤكد أدبيات الحزب بأن مهدي آصفي وعلي كوراني وكاظم حائري ومرتضي عسكري ومهدي طباطبائي هم من الإيرانيين، أما الاثنان الآخران فهما فقيه الحزب محمد باقر الصدر الذي انسحب من الحزب مبكراً، والثاني عبد الصاحب دخيل الذي اعدم في عام 1978. ظل، ومنذ أول أيام التأسيس، الأساس الفكري والتنظيمي لهذا الحزب قائم على أسس طائفية. يتناول البرنامج السياسي لهذا الحزب مصالح طائفة بعينها ويختصر جل اهتماماته عند حدود تواجد أعضاء الطائفة الشيعية. و شروط العضوية في هذا الحزب كانت منذ البداية مصاغة لفئة محددة من المجتمع العراقي وهي محصورة في أبناء الطائفة الشيعية.  نشط هذا الحزب بمساعدة إيرانية مفضوحة في كلٍ من العراق والكويت والبحرين وجنوب لبنان. إن كلاً من إبراهيم الجعفري ونوري المالكي رئيسا وزراء العراق أثناء الإحتلال الأمريكي  من قادة هذا الحزب الإيراني المنشأ. يأتي وفي المرتبة الثانية من الأهمية حزب “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق” وذراعه العسكري  “فيلق بدر” الذي تأسس عام 1981 في إيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية من عناصر عراقية ذات أصول فارسية كمشروع لمحاربة الجيش العراقي والدولة العراقية وارباك الجبهة الداخلية العراقية في أثناء الحرب وسير المعارك على الجبهات العسكرية. “شكلت إيران في عام 1981 وبرغبة من الخميني (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) أناطت رئاسته بآية الله الإيراني الجنسية (محمود الهاشمي)، فيما كان المرحوم السيد محمد باقر الحكيم في موقع ( الناطق الرسمي ) قبل أن يكون فيما بعد رئيسا للمجلس ، والمجلس المذكور هو مؤسسة إيرانية بالكامل مرتبط بمجلس الوزراء الإيراني وهو الوعاء التنظيمي للأحزاب الإسلامية العراقية ومنه ومن خلاله تشكل (فيلق بدر) كذراع عسكري لذلك المجلس وقد ضم عناصر متطوعة لمساندة الجهد العسكري الإيراني وكذلك استعين بخدمات ضباط سابقون في الجيش العراقي كانوا في الاسر الإيراني عرفوا باسم (التوابين)
وظهرت جبهة التحرير الإسلامي بالبحرين، والمنظمة الثورية الإسلامية لشبه الجزيرة العربية في السعودية، والمجلس الشيعي الأعلى وحركة أمل في لبنان، وحزب الله في كل من إيران والعراق والبحرين ولبنان، وجماعة الحوثي في اليمن، وجيش الحراس ومنظمة النصر في أفغانستان الخ. وطورت إيران عمل هذه المنظمات وقامت في إنشاء أحزاب طائفية في بلدان عربية لا يوجد بها مواطنين شيعة. لقد قامت إيران في الإعلان عن تأسيس حزب شيعي في فلسطين، وأخر في مصر وفي الجزائر وتونس والسودان، وكل هذه البلدان خالية تماماً من المواطنين الشيعة. لقد تخطت هذه الأفعال درجات الاستفزاز وكشفت عن الطبيعة المنهجية لهذه السياسات التي تنم عن مخططات خطيرة تهدف إلى خلق أجواء من التوتر في هذه البلدان ونشر الطائفية بأي ثمن لغايات استعمارية توسعية في نفوس أصحابها
لقد أنشأت الحكومة في إيران هيئة مستقلة تسمى “المنظمة العالمية لحركات التحرير الإسلامية”، ومقرها مدينة “قم” للإشراف على الأحزاب والمنظمات في الأقطار العربية التي تدور في فلك الدولة الإيرانية. أصبحت هذه المنظمة الحكومية الإيرانية القاعدة والموجه لكل الأحزاب والمنظمات السياسية والمؤسسات الإجتماعية المرتبطة والموملة من الحكومات الإيرانية. وصارت أحد مهمات هذه المؤسسة الإيرانية  تخريج رجال متخصصين في تشكيل الأحزاب والمنظمات السياسية على أسس طائفية. أوكلت لهذه المؤسسة الحكومية الإشراف على سير هذه المنظمات والأحزاب التي تدور في فلك الحكومة الإيرانية وتوجيه سياساتها حسب المصلحة القومية الفارسية في البلدان العاملة بها هذه المنظمات.  والمهمة الثانية التي أوكلت إلى “المنظمة العالمية لحركات التحرر الإسلامية”، هي طبع الكتب والمنشورات وإيصالها إلى دول الجوار كأسلوب من أساليب تصدير للثورة ونشر أفكار الثورة الإيرانية ذات المفهوم المذهبي الصفوي المحدد والمتبع في نظام الحكم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية
لقد حققت السلطات الإيرانية والمرجعيات المذهبية الإيرانية المنسجمة مع الأهداف الحكومية الرسمية الإيرانية، نجاحاً كبيراً في إعادة هذه الأجيال إلى «غيتو» العزلة الطائفية. وذلك عبر تشيكل أطر وأحزاب سياسية طائفية التوجه متصادمة في الوظيفة والأهداف مع التيارات والأحزاب الوطنية والقومية العربية ومتصادمة مع الأحزاب التقدمية واليسارية النشطة والفاعلة على الساحة العربية. لقد لعبت هذه الأحزاب دور حصان طروادة في المنطقة العربية ورديف لتنفيذ المشاريع الإيرانية وكانت أهم البؤر التي خلقت وساهمت في خلق ثقافة الطائفية الإجتماعية والطائفية السياسية في المنطقة العربية

تستقبل المدارس الدينية الإيرانية في مشهد وقم آلاف الطلاب والدارسين من عدد من دول العالم الإسلامي. وتركز إدارات هذه المدارس الدينية على استيعاب اكبر عدد ممكن من الطلبة العرب من أبناء المذهب الشيعي على وجه الخصوص. اغلب الطلبة والخريجين الذين عادوا إلى أوطانهم ظلوا على علاقة وثيقة مع هذه الحوزات والمدارس الدينية في مشهد وقم، والكثير منهم اصبح من قادة ومسئولي تلك الأحزاب التي أنشأتها إيران ورعتها الحكومات الإيرانية المتعاقبة