أطلعت على مقالة للدكتور الإعلامي فيصل القاسم نشرتها البصرة المناضلة يوم 16/تشرين أول/2010، تحمل العنوان ذاته تقريباً.. وهنا أود التنويه بأن ما قاله الخبير الإعلامي المعروف لا شائبة فيه إلا من بعض الملاحظات المهمة، التي ما جاءت إلا لتعكس حالة يراها القاسم واقعية ولكن محشورة في ثلاث زوايا، الأولى: إن الأمريكان وقعوا في الشَرَك الإيراني، والثانية: إن الإيرانيين محنكون ونَفَسَهم طويل، والثالثة: إن العرب أغبياء ورؤيتهم لا تتعدى أرنبة أنوفهم، يفعلون أشياء يعتقدون بأنها تحميهم فتنزل الطامة الكبرى بعد ذلك على رؤوسهم!!

ثم يثير القاسم عن لسان الكثيرين كما يقول، عدداً من التساؤلات.. دعونا نتحدث عنها بشيء من التدقيق :

“هل يعقل أن تساند إيران الأمريكيين في احتلالهم لجارتها العراق”؟

لنفترض أن إيران (ثورة إسلامية) جاءت على أنقاض نظام الشاه المرتبط بالاستعمار الأمريكي والبريطاني.. والعراق وشعبه كما هو معروف بلد عربي إسلامي تحكمه مع دول الجوار مبادئ حسن الجوار، ويقود هذا البلد نظام وطني يصارع الإمبريالية والصهيونية.. فهل أن (الثورة الإسلامية) التي يقودها قادة (ثوار ومسلمون)، يتعاونون مع أسياد الشاه وهم الذين ثاروا عليه؟ وهل أن قادة (ثوار ومسلمون) يعلنون منهجهم الثوري الإسلامي في كل يوم، يتعاونون مع أسياد الشاه في تمزيق الشعب العراقي المسلم والعبث بأمن البلاد والعباد قتلاً وتدميراً ونهباً واغتصابا؟.. هل أن هذا المنهج من دواعي الإسلام؟ أم من دواعي الثورة والثورية الإيرانية، التي جاءت بخميني من باريس إلى طهران عام 1979؟!

أتكلم من حيث المبدأ والأخلاق والدين وما جاء به الدين الإسلامي الحنيف وليس من باب السياسة والمصالح.. لأننا يجب أن نفرز ذلك.. الإيرانيون، وهذا ما لم يتطرق إليه القاسم، يعملون في الإستراتيجيا الفارسية وينتهجون الأيديولوجيا الطائفية في تعبيد الطريق للنفوذ والتوسع الفارسيين.. أين هي المغالطة؟

فإذا كان الإيرانيون يعملون بالإستراتيجيا الفارسية التي تتعاون مع قتلة الشعب العربي المسلم العراقي والفلسطيني وغيره، فليس من حق الدولة الإيرانية أن تتكلم باسم الإسلام والمسلمين، وتعلن أنها تريد أن تقود العالم الإسلامي.. وهذه مخادعة كبرى.. لأن الإسلام والمسلمين لا يعتدون على غيرهم من المسلمين ولا على غيرهم من الديانات، ويحتكمون إلى النصوص المقدسة التي يعرفها الدكتور القاسم جيداً، ولكنه لم يتحدث عنها إنما يتحدث فقط عن نصف حقيقة ويترك الباقي أو يغطي عليه

أسقط الأمريكيون النظام الوطني في العراق.. وهزم الشعب العراقي الأمريكان.. والنتيجة؟ كيف ينظر الفرس الإيرانيون إلى شعب العراق الذي أسقط نظامه الوطني -الحديث هنا عن كل الشعب العراقي وليس عن طائفة واحدة-؟ وكيف يمكن التعايش بين دولتين وشعوب متجاورة عبر التاريخ – وهنا أتحدث عن لا مستقبل للاحتلال الأمريكي والفارسي في العراق-؟ وللتذكير.. أن الشعب العراقي ليس كله شيعه (المغالطة الفاضحة هي الخلط بين شيعة عرب وطنيين، وشيعة فرس أجانب يتبعون النظام الفارسي ولا يمتون للمذهب الجعفري بصله)، كما أن الشعب العراقي ليس كله سنه، وليس كله أكراد أو تركمان أو مندائين أو يزيدين.. إلخ. فإذا كانت إيران تنظر إلى الشعب العراقي من منظار أحادي في تعاملها الإستراتيجي، فإن ذلك يفسر بأنه منظار طائفي محض وتكفيري وإقصائي بحت، ولا تمثل تلك النظرة شعب العراق العربي المسلم الذي يؤكد انتماؤه العربي الأصيل عبر التاريخ

وإذا كانت إيران تتعامل على أساس (ثورة)، فمن الخطأ الإستراتيجي أن تسهل للأمريكان الإمبرياليين (أعداء) الثورة غزوهم لبغداد وكابل.. ولكن طهران استناداً إلى هذا المنطق لم تكن ثورة على الاستعمار والإمبريالية، ولم تكن بالتالي ثورة على الكيان الصهيوني والصهيونية كما تدعي.. والخلاصة في منطق التساؤل، إن النظام الإيراني ما جاء عام 1979 إلا على أساس أنه يمتلك أداة (طائفية – مذهبية -عرقية) تتولى التأثير على البطن الرخو للإتحاد السوفياتي الذي يقطنه أكثر من (50) مليون مسلم، ويتكفل بتغيرات جيو- استراتيجدية في المنطقة العربية بدأً بالعراق.. فهل أن النظام الفارسي هذا (ثورياً) و(إسلامياً)، أم ماذا؟!

“ألا يشكل ذلك خطراً كبيراً عليها، خاصة وإن القوات الأمريكية أصبحت على مرمى حجر من الحدود الإيرانية”؟

أريد أن أطمئن الدكتور القاسم، إن الإيرانيين كانوا وما زالوا مطمئنين من الإمبريالية الأمريكية وجيوشها التي غزت العراق. وإن طمأنينتهم قائمة على أساس التوافق الإستراتيجي، لهم (نفوذهم) في العراق، وللأمريكان ضمان (مصالحهم) فيه، ولا ديمقراطية ولا عملية سياسية ولا إعادة إعمار ولا بناء اجتماعي ووطني تربوي، ولا شيء من هذا كله. التوافق حاصل، والسؤال : هل هذا شَرَك إيراني نصبته إيران لأكبر دولة وأقواها في العالم؟ أم أنه توافق إستراتيجي قائم على تقاسم المصالح وضمانها؟

الأمر ليس شَرَكَاً نصب لتسقط فيه الفريسة كما يروج له، إنما توافقاً إستراتيجياً موثقاً بالصوت والصورة قبل مؤتمر لندن وأثناء زيارة وفوده إلى البنتاغون ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية ومجلس الأمن القومي الأمريكي واللقاءات الموثقة مع “مادلين أولبرايت” وزيرة الخارجية الأمريكية، فضلاً عن اللقاء مع لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي

“هل يعقل أن تسمح إيران للأحزاب الشيعية التي نمت وترعرعت في طهران أن تشارك في مؤتمر لندن الشهير الذي نظمته أمريكا لأحزاب المعارضة العراقية وقتها تمهيداً لغزو العراق”؟

فلو كانت إيران فعلاً (ثورة) حقيقية و(إسلامها) حقيقياً، لما سمحت لأحزابها الشيعية الفارسية بالتعامل والتعاون مع أسياد الشاه، التي (ثارت) هي عليهم، واحترمت مبادئ حسن الجوار، دون جلب الأجنبي لاحتلال العراق وتدمير بلد مسلم.. وهنا أيضاً المسألة مبدئية تدخل في صلب القيم ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف، لتشكل موقفاً يعري إدعاء إيران بأنها تحمل قيم (الثورة) ومبادئ (الإسلام)، لأن المسلم والمسلمين، مرة أخرى، لايعتدون على المسلمين ولا على غيرهم، لأنهم محكومون بنصوص مقدسة..فهل إيران تحترم النصوص القرآنية المقدسة أيها الدكتور القاسم؟ أم أنها محكومة بمنهج توسعي فارسي؟!

“أليس من الخطأ الإستراتيجي أن تسهل طهران للأمريكان غزو بغداد وكابل”؟

هذا التساؤل ينطوي على تجريد إستراتيجي إذا جاز التعبير، كما أنه ينطوي على حالة تناقض على خط السياسة.. كيف؟ :

أولاً- يفترض بالنظام الذي يعادي الاستعمار ويحاربه أن لا يتعاون معه.

ثانياً- يفترض بالنظام الوطني أن لا يجلب بسلوكه السياسي الخارجي، على تخومه قوات
دولة أجنبية

ثالثاً- يفترض بالنظام الوطني أن لا يعادي نظاماً وطنياً آخر

رابعاً- يفترض بالنظام الوطني أن لا يعادي محيطه القريب

خامساً- يفترض بالنظام الوطني أن لا يسئ لقاعدة مبادئه، وخاصة إذا أعلن أن نظام الدولة يرتكز على قاعدة الشريعة الإسلامية

سادساً- يفترض بالنظام الوطني أن يكون متوازناً في الداخل وعادلاً ومنصفاً ويتعامل مع القوميات والمذاهب التي تعيش بين ظهرانيه على أساس الحقوق والواجبات والاعتراف بها لإنصاف القوميات غير الفارسية.. فهل أن النظام الإيراني عادلاً ومنصفاً وديمقراطياً حيال الشعب (العربي والكردي والتركماني والآذري والبلوشي..إلخ) وهم يشكلون الأكثرية، فيما يشكل الفرس في الدولة الإيرانية أقل من 41% من مجمل الشعوب الإيرانية.؟!

الإيرانيون ليسوا قارئين جيدين للمستقبل كما تخلص إليه.. ولم يكن رهانهم في محله لسببين،
الأول: إنهم يدعون (الثورة) ويتعاونون مع الاستعمار ويهيمنون على مقدرات شعب العراق.. ويدعون الإسلام، ويمزقون شعباً مسلما في العراق وفي فلسطين على وجه التحديد.. ويدعون العدالة ويقصون شعوباً ومذاهب وأطياف عن مكانتها الطبيعية في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها. والسبب الثاني: إن شعباً عربياً من محيطه إلى خليجه وتعداده يقرب من (400) ملين نسمه.. خسروه.. وإن معظم العالم الإسلامي وتعداده ربما أكثر من مليارين ونصف المليار.. خسروه أيضاً، جراء تعاونهم ومشاركاتهم مع المستعمر الغازي

فهل من الحكمة والحنكة السياسية والذكاء الإستراتيجي والقراءة الممتازة للمستقبل أن تخسر الدولة محيطها القريب لدواعي الهيمنة على بلد عربي مسلم؟! وماذا عن المستقبل يا دكتور؟.. ألم يتعظ الإيرانيون بهولاكو، وجنكيزخان، واحتلالهم التاريخي المتكرر للعراق، والعثمانيين والبريطانيين، والأمريكيون الذين نراهم الآن يجرون أذيال الهزيمة، والإيرانيون أنفسهم الذين لا مستقبل لهم في العراق العربي المسلم؟!

دعنا يا دكتور فيصل من (المثل) الإيراني الذي أوردته الذي يقول “لا تقتل الأفعى بيدك بل بيد عدوك” وللعلم أن هذا المثل محرف تماماً، وليس مثلاً إيرانياً إنما هو حكمة ”
كونفوشيوسية” صينية قديمة تقول “لا تنتقم، بل انتظر على حافة النهر قد تمر جثة عدوك”. والفرق ليس كبيراً إلا بالتوصيف، فالنظام الوطني في العراق الذي اغتالته أمريكا و(إسرائيل) وإيران والعرب المستعربة ليس أفعى،إنما ضحية للحقد البريطاني والصهيوني والفارسي الأسود، وحقد المغفلين والساذجين والعملاء الذين يتربعون على بعض قمم صنع القرار في دنيا العرب

فإذا كان الإيرانيون قد فكروا بترك مهمة قتل الأمريكيين المحتلين للعراقيين وللأفغان ليستأثروا بالغنيمة في ما بعد، غنيمة العراق كله، وهو الحلم الإيراني لتصدير (الثورة) إلى بقية الأصقاع.. فهل فكروا بأن العراق وشعب العراق ليسا لقمة سائغة؟ وإن شعب العراق في كل مكان يرفض الوجود الاستعماري بأي شكل كان؟ وإن الشعب العربي في كل مكان يرفض مثل هذا الوجود جملة وتفصيلاً؟ وإن شرذمة العملاء في المنطقة الخضراء لا تمثل الشعب العراقي.. فكيف يحظى الإيرانيون وعملاؤهم الفرس بالاستقرار لتبقى الغنيمة تحت سيطرتهم؟! وهل سألت نفسك يا دكتور فيصل  لماذا هذا الحقد الفارسي الأسود على العرب؟ وما هي النتائج التي ترتبت على هذا الحقد منذ قرون؟!

إنها ليست حنكة سياسية أو إستراتيجية بقدر كونها تحالف مقرف مع الشيطان من أجل مصالح مشتركة.. فليس من حق الإيرانيين الحديث أو أنهم آخر من يتحدث عن الإسلام وفلسطين، فهم من مزق المسلمين، وهم من فرق بين المناضلين الفلسطينيين،، فهل هناك دليل أكبر على حقدهم وخبث نياتهم؟

د. أبا الحكمنعم.. حائك السجاد العجمي يمضي سنوات، وكذلك الصيني والباكستاني والأفغاني، لصناعة سجادة واحدة دون كلل أو ملل، ولكن هذا العجمي لايمثل غير الفرس، ولا يمثل الشعوب الإيرانية (عرب الأحواز، والأكراد، والتركمان، والآذريين) الذين يناضلون من أجل حريتهم وحقوقهم المغتصبة في إيران.. الأمر يختلف يا دكتور فيصل، لأن ترياق الاحتلال الأمريكي لا يعالج السم الزعاف الذي تجرعه خميني أبداً!!

العرب، وللأسف الشديد، ما قلته عنهم صحيح تماماً، فبعضهم لا يفكر بعيداً، فقد ساندوا الأمريكان في احتلال العراق.. فأصيبوا بالذعر حين تدفق الفرس مع الدبابات الأمريكية إلى المنطقة الخضراء وبدءوا يشرعنون للوجود الإيراني والأمريكي.. وأصيبوا بالفزع حين زحفت الطائفية الفارسية إلى مخادعهم. إنهم أغبياء، فإذا أرادوا وفطنوا إلى زمانهم في أن يستعيدوا حيائهم المفقود ويستعيدوا توازنهم، عليهم أن يدعموا بدون قيد أو شرط المقاومة الوطنية العراقية لطرد الفرس وكسر شوكتهم وإبعادهم خلف أسوارهم المهدمة، وأن يوظفوا إعلامهم وقنوات فضائياتهم للتثقيف والتوعية والدعم والإسناد السياسي والمعنوي.. وإلا فأن (الأرضة الطائفية الفارسية ستنخر مخادعهم)!!

وكما قلت.. لو كان العرب يدركون بتجرد أهمية العمق الإستراتيجي لكل قطر عربي (العراق عمق إستراتيجي لسوريا وللأردن وللسعودية وللكويت والعكس صحيح)، لما تمكن الأجنبي من اختراق أي جدار عربي على الإطلاق.. فحين شعر العراق أن خطراً يتهدد سوريا العروبة تحرك من العمق للدفاع عنها، وحين شعر بأن مصر مهددة تحركت أسراب طائراته الحربية لإسناد الطيران الحربي المصري في سماء مصر!!

فشعب العراق لا ينسى من يقف معه أبداً، ولن ينسى من يسئ إليه أيضاً، مثله مثل كل الشعوب الحرة في العالم.. فهل تدرك تلك الأنظمة العربية، التي تآمرت ثم تباكت على العراق؟

نعم، دكتور فيصل لقد تناسى العرب أن عملاء إيران في العراق هم عملاء أمريكا، وتناسوا الأطماع الفارسية القديمة. وأود أن أقول في الختام.. إن الغزو الأمريكي- الإيراني للعراق ليس شطارة إستراتيجية، إنما هو لعبة شراكة إستراتيجية أمريكية إيرانية.. لعبة لم تبدأ في عام 2003، إنما منذ أبعد من عام 1979، وهو منزلق وضعت إيران نفسها فيه.. وسيأتي يوم نكتب فيه مثلاً عربياً خالصاً ((وعلى نفسها جنت براغش

د. أبا الحكم