االقاهرة, عادت سحب التوتر لتخيم مجددا على سماء العلاقات المصرية السورية بعد فترة من الهدوء، وذلك في أعقاب الهجوم الذي شنته صحيفة الأهرامالمصرية القريبة من دوائر صناعة القرار، على الرئيس السوري بشار الأسد، الأمر الذي مثل انتكاسة للجهود العربية الساعية لتلطيف الأجواء بين البلدين والتي تشهد توترا منذ أكثر من 4 سنوات

وجاء هجوم الأهرام، على ما يبدو، على خلفية الحوار الذي أجراه الرئيس السوري مؤخرا مع صحيفة الحياةاللندنية، وقال فيه إن عودة العلاقات مع مصر تحتاج إلى مبادرات منها، وإنه لا يريد شيئاً من القاهرة

فقد اعتبر رئيس تحرير الأهرام، أسامة سرايا، في افتتاحية الصحيفة أمس, أن الرئيس بشار الأسد، مثل كل التصريحات السورية، يريد أن يجمع بين متناقضين لا آتفاق بينهما ولن يكون /إيران بسياساتها الراهنة في المنطقة‏، والمصالح العربية كما يفهمها أبسط السياسيين

ورأى أن المصالح العربية العليا تتعرض للخطر من إيران وسوريةوأضاف, “نقبل الاختلاف في الآراء مهما تكن، ولكن حينما تتحول إلى سلوكيات وتحركات وبرامج تعمل سورية مع إيران على تنفيذها على حساب مصالح الشعوب وأمن الدول العربية، فهذا واقع جديد يتطلب تحركات مختلفة لا تتعامل بمثل التسامح في اختلاف الآراء“‏‏

وعن قول الرئيس السوري إنه لا يريد شيئاً من مصر، قال سرايا إن مصر تريد الكثير من سورية,, لا تريد مصر من الحكومة السورية الآن إلا أن تكف عن لعبة التوفيق بين المتناقضات وتسويق هذا الوهم في المنطقة، فالمصالح العربية لمصر كما هي لسورية، أما السياسة السورية الراهنة، فخرجت على هذه المصالح وارتضت أن تمارس دوراً لحساب قوة إقليمية لا يمكن أن تعمل لحساب أمن المنطقة واستقرارها

وتابع, “نريد من سورية أن تتدخل وتستخدم علاقاتها مع إيران لتلجيم دورها التخريبي في منطقتنا، وأن تساعد الفلسطينيين على التحرر الوطني وإقامة دولتهم لوضع حد للانقسام بين الضفة وغزة، وأن تستخدم نفوذها، ولا تستخدمها إيران في تحجيم الدور العربي في منطقتنا ثم تتباكى عليه, نريد من سورية أن توقف الانقلاب الإيراني على الطوائف الأخرى، خصوصاً على المسيحيين والسُُنّة في لبنان“‏

ويرى مراقبون أن حديث الصحيفة المصرية ياتي وسط تصاعد الحديث عن تحول سوريا إلى نقطة استقطاب لجهود المصالحة بين الفرقاء الفلسطينيين، والتي ظلت مصر إلى وقت قريب تحتكر أغلبها دون تحقيق أي اختراق، وفي غمرة التوتر في لبنان حول محكمة رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري التي تعارضها دمشق وتؤيدها القاهرة,

لكن الرئيس السوري كان قد قال في حواره مع الحياة” “أنا لم أطلب شيئاً من مصر، ولا أريد شيئاً من مصر، وإذا كنا نختلف سياسياً، فهذا ليس جديداً ,ونحن في سوريا نقول: لنفصل العلاقة الشخصية أولاً عن علاقة البلدين، لنفصل العلاقة السياسية عن العلاقة الاقتصادية، وكان لدينا وزراء سوريون في مصر أخيراً، وسيزورنا الآن وفد مصري، ونعمل لانعقاد اللجنة المشتركة; أما على المستوى السياسي، فهناك اختلاف كبير في الآراء

اضاف, ” بالنسبة إلينا في سوريا ليست تلك مشكلة، ربما يكون لدى بعض المسؤولين في مصر مشكلة، ولا أستطيع أن أعطي الإجابة نيابة عنهمونفى القول ما إذا كانت العقدة لبنان أم المصالحة الفلسطينية، وأوضح: “الغريب أننا في سوريا لا نعرف ما المشكلة، لذلك قلت لك أنا لا أريد شيئاً من مصر، وكي تكتمل الصورة لا بد أن تسأل الإخوة فيها ماذا تريدون من سوريا؟ عندها تحصل على الجواب

وجدد التأكيد على أن زيارة مصر طبعاً تحتاج إلى دعوة، لأن هناك انقطاعاً في العلاقات, أنا لم أستقبل مسؤولاً مصرياً منذ نحو خمس سنوات كما أظن، فإطلاق العلاقة بحاجة إلى بعض المبادرات، أحياناً قد تبدو شكلية لكنها ضرورية في العلاقات السياسية والدبلوماسية

وكانت القاهرة ودمشق قد خففتا من التراشق الإعلامي إثر اللقاء الذي جمع الرئيس حسني مبارك مع الأسد في الكويت عام 2008 برعاية العاهل السعودي، إلا أن مصر رفضت إتمام المصالحة بسبب ما تراه من استمرار تحالف سوريا مع إيران، واتساع نفوذ الطرفين في الملفات الإقليمية

لغز الجفاء مع دمشق

كان المفكر الاسلامي ، فهمي هويدي، كتب في مقال له بعنوان لغز الجفاء مع دمشقبصحيفة الشروقالمستقلة الاسبوع الماضي، ما نصه ان ثمة مشكلة فى العلاقات المصرية السورية، وان تلك المشكلة مازالت مستعصية على الحل منذ خمس سنوات على الأقل

ان الرئيس الأسد يعتبر ان هناك شيئا ما فى القاهرة يعطل مسار العلاقات السياسية بين البلدين، مستبعدا ان يكون اختلاف الرؤى فى الشأن اللبنانى أو الفلسطينى جوهر المشكلة

ان ثمة شيئا ما لا يعرف كنهه فى علاقة الرئيسين المصرى والسورى يحول دون اعادة الحيوية والعافية بين البلدين, يشتم المرء هذه الرائحة حين يلاحظ أن الرئيس الأسد اعتبر أن علاقته الشخصية مع العاهل السعودى كانت الضمانة الأساسية للحفاظ على ايجابية العلاقة بين سوريا والمملكة, وكان رد الرئيس السورى مغايرا حين طرح عليه ذات السؤال فيما خص مصر، إذ ذكر أنه لا يوجد شىء من جانبه لكن ربما يكون لدى بعض المسئولين فى مصر مشكلة

وكان المراقبون والصحفيون الذين حضروا قمة سرت الأخيرة فى ليبيا قد لاحظوا أن الرئيس المصرى والسورى احتفظا بمسافة بينهما، ولم يتبادلا اللقاءات أو الكلمات الأمر الذى اعطى انطباعا بأن العلاقات ليست طبيعية بينهما

لابد أن يكون لمصر رأيها فى الموضوع وقراءتها لخلفياته، لكننا إذا صرفنا النظر عما إذا كانت المسئولية عن الفتور المخيم يتحملها هذا الطرف أو ذاك، فلا مفر من الاعتراف بأن ذلك الفتور هو المصدر الأساسى لشق الصف العربى ومن ثم تصدع النظام العربى, ومن المفارقات ان تنعقد القمة العربية فى سرت لإصلاح ذلك النظام، وينشغل المشاركون بالشكل فيه والمسميات، فى حين لم يستقم أمر الركيزة الأساسية له، المتمثلة فى العلاقة بين القاهرة ودمشق، أما الغريب والمحزن فى الأمر فأن يستعصى حل المشكلة بين القاهرة ودمشق، فى حين يغدو الطريق سالكا ومفتوحا بين القاهرة وتل أبيب

العلاقات المصرية السورية

تعود الخلافات بين القاهرة ودمشق الى التباين في موقف الطرفين حيال الحرب الإسرائيلية علي لبنان وغزة علي التوالي، وتسببت في احداث تراشق إعلامي عمق الهوة بينهما

كما أن مصر تعلن تحفظها على التقارب السوري الإيراني الذي تعتقد القاهرة أنه يفتح المجال للتدخل الإيراني في الشئون العربية لا سيما عبر تأثيرات إيران في الساحة اللبنانية من خلال حزب الله

من جانبها، ذكرت تقارير صحفية سورية أن الخلافات بين القاهرة ودمشق ليست حول قضايا شكلية، من قبيل الجدل الدائر حول مقر الجامعة العربية، أو مقر عقد اتفاق المصالحة الفلسطينية، وإنما هو اختلاف في الرأي حول مسائل تتعلق بالهوية السياسية الوطنية وعلاقة هذه السياسة بالصراع العربي الإسرائيلي وإدارته بما يساهم في صمود المقاومين واستعادة الحقوق المغتصبة

اضافت التقارير إن دمشق ظلت على الدوام سباقة في دعوة العرب إلى مزيد من التضامن، وهي بالتأكيد مع المصالحة العربية، بل إنها دفعت بمشروع قرار للقمة يهدف إلى خلق آلية عربية للحفاظ على الوفاق واستيعاب أي خلاف عربي ضمن الأسرة العربية

وجاءت تلك التقارير على خلفية تصريحات سابقة لوزير الخارجية المصري، أحمد ابو الغيط، تحدث فيها عن طبيعة العلاقات بين دمشق والقاهرة واعتبر فيها أن مصلحة سورية هي مصلحة مصر، مشيرا إلى أن ما أسماها الفجوةفي العلاقات الثنائية إنما مردها اختلاف الرأي

وذكرت صحيفة الوطنالسورية فعلاً أن المصلحة السورية هي في المصلحة المصرية والعربية عموماً، لكن العبرة في التنفيذ، وعلى سبيل المثال فهل تتفق القاهرة مع دمشق على ضرورة رفع الحصار الفوري عن قطاع غزة أو على الأقل عدم المساهمة فيه؟ وهل تتفق القاهرة مع دمشق على ضرورة دعم المقاومة؟

وتابعت/ الأمثلة كثيرة لكن يبدو أن الرؤية السورية في مشروع المواجهة مع إسرائيل، وهي الرؤية التي لم تتوافق والسياسات المصرية وغير المصرية لفترة طويلة، تتأكد صوابيتها لدى من كان غير مقتنع بها يوماً بعد يوم، وآخر مثال عليها ذلك الغطاء الذي حاول بعض العرب منحه لرئيس السلطة الفلسطينية المنتهية صلاحيته، وسرعان ما انكشف بجهود إسرائيلية بالطبع

http://www.moheet.com/3&pg=19