هذا الرجل الذى يبلغ من العمر 58 عاما اكتسب سمعة دولية عندما تصدى كمساعد للمدع العام الأرجنتينى للتحقيق فى الجرائم ضد الإنسانية التى ارتكبها النظام العسكرى فى الأرجنتين فى سبعينيات القرن الماضى، إلا أن سمعته تضخمت بعد أن تولى منصب المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية منذ تسع سنوات، ثم زادت شهرته بتوليه قضية الجرائم التى ارتكبت فى دارفور بالسودان، إلا أنه يبدو أن القدر مصر على مزيد من الشهرة له بتوليه التحقيق فى الجرائم التى ارتكبت ضد الإنسانية فى ليبيا أخيرا. إنه لويس مورينيو أوكامبو الذى زار مصر منذ يومين، حيث بحث مع المسئولين فى النظام الديمقراطى الجديد إقرار مصر لاتفاقية روما المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية، كما بحث الأوضاع فى ليبيا، وكان له هذا الحوار الشامل مع الأهرام
قبل إحالة قضية دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، قام مجلس الأمن بإرسال لجنة تحقيق للإقليم وبناء على نتائجها قمت ببناء القضية، وهو ما لم يحدث بليبيا، فكيف ستقوم ببناء هذه القضية؟
حجم الانتهاكات فى دارفور كان كبيرا جدا وعلى مساحة شاسعة، ولذا قام التحقيق بتغطيتها فى فترة طويلة. أما بالنسبة لليبيا، فإن التحقيق يقتصر على الأيام الـ12 الأولى من الثورة، وفى بعض المدن، وتحديدا فى قيام قوات الأمن بإطلاق النار على متظاهرين عزل، مما يجعل المهمة أكثر سهولة فى جمع الأدلة والتحقق منها، خاصة لتطور التكنولوجيا التى وفرت لنا صور فيديو من قلب الأحداث، وهو الأمر الذى لم يكن متاحا بهذا الشكل فى دارفور، هذا بالإضافة إلى شهادات شهود العيان. أما المرحلة الثانية، فهى تتمثل فى إثبات من الذى أصدر الأوامر بإطلاق النار، وهو الأمر الذى سيتطلب أسابيع، لكى نتقدم بالقضية الأولى لقضاة المحكمة الجنائية الدولية
هل شهادات بعض اللاجئين الفارين كافية لتقديم تقريرك لمجلس الأمن؟
نعم، والأدلة ليست مجرد شهادات لفارين؛ فنحن لا نعتمد على نوع واحد من الأدلة
ما هى أساليب العمل الذى تتبعونه فى التحقيقات؟
هذه المسألة سرية، وتتعلق بحماية الشهود
لا نريد الدخول فى هذه التفاصيل الفنية، ولكننا نسأل بشكل عام عن وسائل الوصول إلى المعلومات والشهود؟
فى حالة المذابح التى شهدتها رواندا فى عام 1994 فإن أحد المصادر والأساليب كان دخولنا على شبكات اتصال اللاسلكى للشرطة والجيش
عندما تستخدم ضمير المتكلم فى هذا المقام، من تقصد بذلك؟
مكتبى، فلدينا فى المكتب فريق من 200 شخص من بينهم 20 على الأقل معظمهم من دول عربية يقومون بالعمل على قضية ليبيا
هل تتلقون عونا من أجهزة مخابرات؟
كلا، ولكننا نتلقى مساعدة من البوليس الدولى ( إنتربول )، ولدينا وسائل التنصت والمراقبة، والقضاة فى المحكمة شديدو الحرص فى فحص الأدلة التى نقدمها
كيف ستتمكن المحكمة من التمييز بين الضحايا ممن سقطوا بنيران القذافى، والآخرين ممن قد يسقطوا بنيران هجمات التحالف الدولى عن غير قصد؟
ببساطة، فإن التحقيقات الخاصة بالقضية الأولى ستغطى فترة الانتهاكات التى سبقت التدخل الدولى
كيف سيتم توصيف الجرائم فى ليبيا.. هل ستكون جرائم ضد الإنسانية؟
نعم، فالقضية الأولى التى نعدها ستغطى الجرائم ضد مدنيين عزل، وبالتالى، فإنها ستكون جرائم ضد الإنسانية
وماذا عن تلك التى تمت بعد حمل الثوار للسلاح، هل ستكون جرائم حرب؟
نعم، وستغطى كافة تجاوزات الطرفين حاملى السلاح.
أربع دول عربية فقط أقرت قانون روما الأساسى للمحكمة الجنائية الدولية، فهل تعتقد أن مصر بعد الثورة ستقره؟ وهل ناقشت هذا الأمر مع وزير الخارجية نبيل العربى؟
لقد ابلغنى وزير الخارجية أنه سيتم النظر فى إقرار الاتفاقية، معربا عن اعتقاده بأهمية ذلك، والوزير العربى شارك شخصيا فى صياغتها ممثلا لمصر، ولكنه طلب معلومات عن أسلوب العمل والتشغيل
هل تعتقد أن انضمام دولة مثل مصر يتساوى فى أهميته مع انضمام دولة جزر القمر؟
بالطبع لا، فمصر دولة قائدة ذات دور رائد ومؤثر، وهو ما دفعنى لكى أطلب من وزير العدل المصرى إرسال خبراء مصريين لكى يشرحوا للمحكمة موقف الشريعة الإسلامية من القضايا التى نتعرض لها؛ فالشريعة فى الحقيقة هى أول وثيقة فى التاريخ تضمنت قانونا دوليا إنسانيا، كما أنها حددت ما يجب ولا يجب خلال النزاعات والحروب
تعرضت لانتقادات لقيامك بزيارتين قصيرتين للغاية لإقليم دارفور، فماذا سيحدث فى حال عدم زيارتك لليبيا؟ وهل تعتقد أن تفقد مسرح الجريمة مهم لبناء القضية؟
فى حال الجرائم الفردية، فإنه من الطبيعى والمهم فحص مسرح الجريمة خاصة لفحوصات الطب الشرعى ولجمع الأدلة. أما فى حالات الجرائم الجماعية وفى إقليم مثل دارفور الذى تبلغ مساحته مساحة فرنسا، فإنه يمكن جمع الأدلة والشهادات من الخارج، وهو ما كان واضحا خاصة فى القضية ضد أحمد هارون فى دارفور التى بنيت على أساس شهادات أكثر من 100 شاهد فى 80 دولة.
العام الماضى رفضت تشاد تسليم الرئيس السودانى البشير للمحكمة خلال زيارته لها تنفيذا لقرار صادر عن الاتحاد الأفريقى. من له الولاية الأعلى: الاتحاد الأفريقى أم المحكمة الجنائية الدولية؟
أشكرك على هذا السؤال لأهمية توضيح ما حدث، فهذا القرار تم اتخاذه فى الدقيقة الأخيرة من الجلسة الأخيرة بقمة سيرت بليبيا، حيث فاجأ العقيد القذافى الجميع بإضافة هذا البند على جدول الأعمال فى غيبة العديد من الدول الأعضاء، وأدار القذافى مناقشة هذا البند بالطريقة التاليةأوغندا نحن نعلم موقفك، أما أنت يا تشاد فلا داعى للحديث.». وهكذا تم تمرير القرار فى اللحظة الأخيرة وفى غيبة غالبية الدول الأعضاء وإسكات الباقين.
ولكن من سيقوم بنفس الخدمة الآن للقذافى بالاتحاد الأفريقى؟!
(
يبتسم ) لا علم لى!
فى فبراير 2009 استقبلت على الخشان وزير العدل الفلسطينى الذى سلمك طلبا للانضمام إلى اتفاقية روما، ووعدته بالبحث فى مدى قانونية ذلك. فى حال رفض الطلب الفلسطينى – وهو وارد بقوة بحجة أن الكيان الفلسطينى ليس دولة – ألا ترى أن هذا الرفض يتعارض مع ما جاء نصا وروحا فى مقدمة الاتفاقية من ضرورة المحاسبة على جرائم إبادة الجنس والحرب وتلك التى ترتكب ضد الإنسانية؟ وألا يعلو هذا الهدف الإنسانى السامى على أى اعتبارات قانونية أخرى تعترض انضمام الفلسطينيين للاتفاقية؟
(
ضاحكا إزاء افتراضى بأن الطلب سيرفض ) المادة 1201 تعطى الدول حق إقرار الاتفاقية أما المادة 1203 فهى تقرر حق الدول فى نقل ولاية سلطة الضبطية القضائية لفترة معينة على أراضيها للمحكمة، وهو ما طلبته السلطة الفلسطينية، وأنا أدرك أهمية ذلك ووعدت الوزير بالنظر فى ذلك. وعلى مدى عامين وحتى الأسبوع الماضى تقدم الفلسطينيون بوثائق تدعم طلبهم، وسأتخذ قرارا الشهر القادم
هل سيكون قراركم إيجابيا بقبول الطلب الفلسطينى؟
المسألة مهمة للغاية، وقام الفلسطينيون بتقديم حجج قوية للغاية أهمها: أنه طبقا لإتفاقية منتيفيديو، فإن الفلسطينيين لديهم دولة. الحجة الثانية أن الفلسطينيين لديهم سلطة ضبطية قضائية باعتراف الأمم المتحدة وباعتراف إسرائيل طبقا لاتفاقية أوسلو، باستثناء الإسرائيليين
ولكن هذا وضع شاذ، فكيف يمكن محاسبة الإسرائيليين فى تلك الحالة؟
بالطبع، هى مشكلة، فطالما اتفاقية أوسلو تحرم الفلسطينيين من سلطة الضبطية القضائية على الإسرائيليين، فكيف سينقلون ما ليس لديهم للمحكمة؟ ولتعقيد الموقف، فإن المسألة أخذت وقتا فى البحث
بفرض إقرار غالبية الدول العربية للاتفاقية، هل يمكن أن تظل إسرائيل دولة خارجة عن النظام القانونى الدولى؟
كلا، فأى جرائم تقع فى الدول العربية ويرتكبها أى طرف، بما فى ذلك إسرائيل تقع داخل سلطتنا الضبطية القضائية. أيضا، فإن احتمال تعيين مدع عام جديد يخلفنى من إحدى الدول العربية قائم فى حال انضمام دول عربية أخرى للاتفاقية، حيث إن مدتى تنتهى فى ديسمبر القادم
لقد انتهيتم من التحقيق فى جرائم ضد الإنسانية فى كينيا منذ أربعة أشهر ولم تعلن النتائج بعد ما الأسباب؟!
لقد بعثت بطلبات استدعاء للمثول أمام المحكمة لستة من كبار المسئولين بالفعل ومن بينهم وزراء، وسوف يمثلون فى أبريل القادم، بالرغم من الجدل القانونى الدائر هناك، وإن كان من غير عنف، وهو أحد أهم وظائف المحكمة، أنها تساعد على منع العنف
وماذا عن الجرائم ضد الإنسانية التى ترتكب فى حق 11 مليون عربى يعيشون فى إقليم الأحواز العربى الذى احتلته إيران منذ عشرينيات القرن الـ20. هذه الجرائم التى تتضمن الإعدامات الدورية خارج النظام القضائى العادل، ومنع هؤلاء المواطنين من مجرد تسمية أبنائهم أسماء عربية بعينها، والحرمان الاقتصادى، والحرمان من وجود وسائل إعلام ومدارس بالعربية. وبالرغم من مناشدات هؤلاء البشر، فإن المجتمع الدولى مصر على تجاهل معاناتهم، وكأنه – باستثناء الجهد النووى الإيرانى – فإن إيران وإسرائيل مستثنتان من أى إجراء فيما يتعلق بالجرائم ضد الإنسانية؟!
يجب على هؤلاء العرب الإيرانيين التقدم كأشخاص بقضيتهم إلى مجلس الأمن الذى يمكنه أن يحيل القضية لى، وهذا هو السبيل ال

السبيل الوحيد

المصدر الاهرام المصرية